التمديد الذي لا ينتهي… حين تتحول الاستثناءات إلى قاعدة داخل مؤسسة استراتيجية

في قلب واحدة من أكثر المؤسسات حساسية واستراتيجية في المغرب، تقف الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية على وقع حالة تثير الكثير من التساؤلات، بل وتدفع إلى القلق المشروع حول منطق الحكامة والتدبير داخلها. مؤسسة تضطلع بأدوار محورية في تأمين الملكية العقارية، وضبط المعطيات الطبوغرافية، ومواكبة الاستثمار، تجد نفسها اليوم أمام وضع شاذ، عنوانه الأبرز: التمديد المتكرر لمسؤول بعينه، إلى حد بلغ ست مرات، أي ما مجموعه 12 سنة من التمديد.

هذا المعطى، الذي قد يبدو في ظاهره إجراءً إدارياً عادياً، يتحول عند التمحيص إلى ظاهرة استثنائية يصعب تبريرها بالمنطق المؤسساتي السليم. فالتمديد، في فلسفته الأصلية، يظل إجراءً ظرفياً واستثنائياً، يفرضه غياب بديل جاهز أو ظرفية دقيقة تتطلب الاستمرارية. غير أن تحويل هذا الاستثناء إلى قاعدة دائمة يطرح أكثر من علامة استفهام: هل نحن أمام ضرورة مرفقية حقيقية؟ أم أمام عجز بنيوي في إنتاج الكفاءات؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى اعتبارات أخرى لا تُفصح عنها دوائر القرار؟

لا أحد يعارض مبدأ التمديد إذا كان يخدم المصلحة العليا للوطن، لكن الإشكال الجوهري يكمن في غياب رؤية موازية تضمن الاستمرارية. فالمؤسسات القوية لا تُبنى بالأشخاص، بل بالكفاءات المتجددة وبسياسات واضحة في التأهيل والتكوين ونقل الخبرة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل عملت الوكالة، خلال هذه السنوات الطويلة من التمديد، على إعداد جيل جديد من الأطر القادرة على حمل المشعل؟ أم أن الرهان ظل معلقاً على شخص واحد، بما يحمله ذلك من مخاطر على استمرارية المرفق العام؟

إن ربط مصير مؤسسة استراتيجية بشخص، مهما بلغت كفاءته، يظل خياراً محفوفاً بالمخاطر. فماذا لو غاب هذا المسؤول لأي سبب كان؟ هل تملك المؤسسة خطة بديلة واضحة؟ أم أن الفراغ سيكون سيد الموقف؟ إن الحكامة الحديثة تقوم على مبدأ التداول، وعلى خلق دينامية داخلية تتيح بروز قيادات جديدة، لا على تكريس وضعية “الضرورة الدائمة” التي تبرر التمديد إلى ما لا نهاية.

الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع ينعكس نفسياً ومهنياً على أطر ومستخدمي الوكالة، الذين يجدون أنفسهم أمام أفق مهني ضبابي، حيث تتراجع فرص الترقي وتحمل المسؤولية، ويترسخ شعور بأن الكفاءة وحدها لا تكفي. وهو ما قد يؤثر سلباً على مردودية المؤسسة وعلى مناخها الداخلي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مؤسسات قوية، ديناميكية، قائمة على التحفيز وتكافؤ الفرص.

إن ما تعيشه الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية اليوم ليس مجرد حالة إدارية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لمدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص على ذلك دستور المملكة. فإما أن يتم تقديم توضيحات شفافة للرأي العام ولأسرة الوكالة حول مبررات هذا التمديد المتكرر، وإما أن يستمر الغموض، بما يغذي الشائعات ويقوض الثقة.

في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام استثناء فرضته الضرورة، أم أمام قاعدة تُكرس بصمت؟ وهل آن الأوان لإعادة النظر في هذا المسار، بما يضمن استمرارية المؤسسة بعيداً عن منطق الأشخاص، وفي انسجام تام مع روح الإصلاح التي تعرفها باقي المؤسسات العمومية بالمغرب؟

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد