في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها تدبير العقار بالمغرب، جاءت اتفاقية الشراكة الموقعة بتاريخ 11 مارس 2026 بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية لتشكل محطة جديدة في مسار تحديث إدارة الأملاك الوقفية وتعزيز حمايتها القانونية والإدارية.
هذه الاتفاقية لا تندرج فقط ضمن إطار التعاون المؤسساتي العادي، بل تعكس توجهاً استراتيجياً يروم إعادة الاعتبار للثروة الوقفية باعتبارها رافعة تنموية واقتصادية واجتماعية، وذلك في انسجام مع التوجهات الإصلاحية التي تستهدف النهوض بقطاع الأوقاف في أفق رؤية 2030.
الأوقاف… ثروة وطنية تحتاج إلى حماية وتثمين
يشكل العقار الوقفي أحد أهم المكونات التاريخية والاقتصادية للمجتمع المغربي، حيث لعب عبر القرون دوراً محورياً في تمويل المساجد والتعليم والخدمات الاجتماعية.
وتتولى وزارة الأوقاف تدبير هذه الأملاك الحبسية التي تشمل محلات سكنية وتجارية وعقارات فلاحية وأراضي متنوعة، بهدف ضمان استثمارها وتوجيه عائداتها لخدمة الصالح العام.
غير أن هذه الثروة تواجه تحديات عديدة، أبرزها:
صعوبة حصر الرصيد الوقفي بدقة في بعض المناطق.
النزاعات العقارية ومحاولات السطو على بعض الأملاك.
ضعف التحفيظ العقاري لعدد من العقارات الحبسية.
لذلك أصبحت الحاجة ملحة إلى شراكة مؤسساتية مع الجهاز المسؤول عن التحفيظ والمسح العقاري لضمان الأمن القانوني لهذه الممتلكات.
دور الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية في حماية الملك الوقفي
تعد الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية المؤسسة المركزية المكلفة بتدبير نظام التحفيظ العقاري بالمغرب، والذي يوفر حماية قانونية قوية للملكية العقارية ويضمن استقرار المعاملات.
وفي هذا السياق، يشكل التعاون بين الوكالة ووزارة الأوقاف أداة فعالة من أجل:
تسريع تحفيظ العقارات الوقفية.
تحديد مواقعها ومساحاتها بدقة عبر المسح العقاري.
تبادل المعلومات العقارية والبيانات الرقمية.
كما أن إدماج التكنولوجيا الحديثة في تدبير المعطيات العقارية يسمح بتقوية الأمن العقاري والحد من ظاهرة الاستيلاء غير المشروع على العقارات، بما فيها العقارات الوقفية.
اتفاقية 11 مارس 2026: أبعاد استراتيجية
تندرج هذه الاتفاقية ضمن مقاربة شمولية تهدف إلى تحديث تدبير العقار الوقفي وتحسين حكامته. ويمكن تلخيص أهم أهدافها في النقاط التالية:
تحفيظ الأملاك الوقفية وتسوية وضعيتها القانونية
من خلال تسريع مساطر التحفيظ وتحديد الملكيات بدقة.
رقمنة المعطيات العقارية للأوقاف
عبر ربط قواعد البيانات بين المؤسستين وتبادل المعلومات بشكل آني.
حماية العقارات الوقفية من النزاعات والسطو
عبر مراقبة مطالب التحفيظ والتنبيه إلى أي محاولة للاستيلاء على عقار حبسي.
تثمين الرصيد العقاري الوقفي
من خلال توفير قاعدة بيانات دقيقة تمكن من استثمار هذه الأملاك بطريقة أكثر فعالية.
الأوقاف ورؤية 2030: من التدبير التقليدي إلى الاستثمار التنموي
لم تعد الأوقاف اليوم مجرد ممتلكات جامدة، بل أصبحت تُنظر إليها كأداة تنموية يمكن أن تساهم في:
تمويل المشاريع الاجتماعية والتعليمية.
دعم الاقتصاد التضامني.
تنمية الاستثمار العقاري الوقفي.
ومن هنا تأتي أهمية رؤية الأوقاف 2030 التي تقوم على عدة مرتكزات رئيسية، أبرزها:
تحديث الحكامة.
رقمنة تدبير الأملاك الوقفية.
تطوير الاستثمار في العقار الوقفي.
تعزيز الشفافية في تدبير الموارد الوقفية.
وتشكل اتفاقية الشراكة مع الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية إحدى الآليات الأساسية لتحقيق هذه الأهداف.
قراءة تحليلية: شراكة ضرورية لكنها ليست كافية
رغم أهمية هذه الاتفاقية، فإن نجاحها يبقى رهيناً بعدة عوامل، منها:
الإسراع في جرد شامل للأملاك الوقفية على الصعيد الوطني.
تبسيط مساطر التحفيظ الخاصة بالعقارات الحبسية.
توفير الموارد البشرية والتقنية لتنفيذ مشاريع الرقمنة.
كما أن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من مجرد حماية الملك الوقفي إلى استثماره بشكل فعال يحقق عائدات مستدامة تخدم التنمية الاجتماعية.
إن اتفاقية الشراكة الموقعة في 11 مارس 2026 تمثل خطوة مهمة نحو إعادة هيكلة تدبير العقار الوقفي بالمغرب وتعزيز أمنه القانوني، كما تعكس وعياً متزايداً بأهمية الأوقاف كرافعة للتنمية.
غير أن الرهان الحقيقي يبقى في تحويل هذه الاتفاقيات إلى مشاريع عملية على أرض الواقع، بما يضمن حماية هذا الإرث الحضاري والاقتصادي واستثماره في خدمة المجتمع، في أفق تحقيق أهداف رؤية الأوقاف 2030.





