في الرابع عشر من غشت من كل سنة، لا يستحضر المغرب مجرد تاريخ في روزنامة المناسبات الوطنية، ولا يحتفل بذكرى عابرة من ذاكرة الوطن، وإنما يستحضر محطة مفصلية في مسيرة استكمال الوحدة الترابية، حين وفدت إلى الرباط، يوم 14 غشت 1979، وفود علماء ووجهاء وأعيان وشيوخ قبائل إقليم وادي الذهب، لتجديد البيعة للعرش العلوي والتأكيد على تشبثهم بمغربيتهم ووحدة التراب الوطني.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم، ونحن نخلد الذكرى السابعة والأربعين لاسترجاع وادي الذهب، ليس فقط: ماذا وقع في 14 غشت 1979؟
السؤال الأهم هو: ماذا فعل المغرب بوادي الذهب بعد الاسترجاع؟

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالمغرب لم يتعامل مع الأقاليم الجنوبية باعتبارها مجرد مجال جغرافي استعيد إلى الوطن، بل باعتبارها جزءاً من مشروع وطني متكامل، يفترض أن تتحول فيه الجغرافيا إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى تنمية، والتنمية إلى قوة إقليمية، والموقع الجغرافي إلى جسر يربط المغرب بعمقه الإفريقي.
وهذا بالضبط ما يفسر التحول الكبير الذي عرفته جهة الداخلة – وادي الذهب خلال العقود الماضية.
لقد انتقلت الداخلة من مدينة ذات موقع جغرافي استراتيجي إلى ورش تنموي مفتوح، تتقاطع فيه البنيات التحتية، والموانئ، والطاقات المتجددة، والسياحة، والصيد البحري، واللوجستيك، والاستثمار، والانفتاح على إفريقيا.
والأهم أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء في إطار رؤية ملكية واضحة جعلت من الأقاليم الجنوبية قاعدة للتنمية المندمجة، ومن الصحراء المغربية جسراً نحو القارة الإفريقية.
لقد أكد جلالة الملك محمد السادس، في خطاب الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، أن الهدف هو جعل الأقاليم الجنوبية مركزاً اقتصادياً وصلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي، معلناً عن مشاريع كبرى من بينها ميناء الداخلة الأطلسي، ومشاريع الطاقة الشمسية والريحية، وتحلية مياه البحر، والبنيات الصناعية والطرقية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية ميناء الداخلة الأطلسي.
فالميناء ليس مجرد رصيف لاستقبال السفن، ولا مشروعاً للبنية التحتية بالمعنى التقليدي. إنه جزء من تصور اقتصادي وجيو-استراتيجي أوسع: أن تتحول الداخلة إلى منصة لوجستيكية وتجارية تربط المغرب بأسواق غرب إفريقيا وبالفضاء الأطلسي.
إنها رؤية تجعل من المحيط الأطلسي ليس حدوداً للمغرب، وإنما نافذة المغرب الكبرى على المستقبل.
والرهان لا يتوقف عند الميناء.
فالجهة مرشحة لأن تصبح مجالاً لتطوير اللوجستيك والصناعات المرتبطة بالبحر والصيد البحري، والطاقات المتجددة، والسياحة، والفلاحة الحديثة، وتحلية مياه البحر، فضلاً عن الاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والهيدروجين الأخضر.
وقد أصبحت جهة الداخلة-وادي الذهب حاضرة بالفعل في النقاشات الدولية حول الاستثمار والطاقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وإمكاناتها المناخية ومؤهلاتها في الطاقات المتجددة.
وهنا تقول “بيتنا الآن” بوضوح:
من يريد أن يفهم التحول الذي عرفته الصحراء المغربية، عليه ألا ينظر إليها من خلال خرائط سياسية جامدة، بل من خلال ما يجري على الأرض.
الطرق تتوسع.
البنيات التحتية تتطور.
المطارات تتعزز.
الموانئ يجري إعدادها.
الاستثمارات تتزايد.
الطاقات المتجددة تفتح آفاقاً جديدة.
والمدن الجنوبية تتغير عمرانياً واقتصادياً واجتماعياً.
هذه ليست شعارات سياسية، وإنما أوراش تنموية تراكمت على مدى عقود.
وإذا كان استرجاع وادي الذهب سنة 1979 قد شكل لحظة سياسية ووطنية حاسمة، فإن معركة اليوم هي معركة البناء والنماء والتنافسية.
فالوحدة الترابية لا تُحمى فقط بالخطاب السياسي، وإنما أيضاً بالتنمية، وبخلق فرص الشغل، وببناء اقتصاد جهوي قوي، وبجعل المواطن في قلب المشروع.
وهذه النقطة بالذات تستحق التأمل.
فالرهان الحقيقي ليس أن تكون الداخلة مدينة جميلة أو جهة متطورة فقط، بل أن تصبح قطباً اقتصادياً مغربياً وإفريقياً، قادراً على إنتاج الثروة وخلق فرص الشغل واستقطاب الاستثمارات وربط الاقتصاد الوطني بالأسواق الإفريقية.
وهذا هو المعنى العميق للنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية الذي انطلق في 2016، والذي جعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية عناصر متكاملة في بناء جديد للجهات الجنوبية.
إن المغرب، وهو يحتفل اليوم بذكرى استرجاع وادي الذهب، لا يحتفل بالماضي وحده.
إنه يوجه رسالة إلى المستقبل.
رسالة مفادها أن الوطن الذي استعاد أرضه، مطالب أيضاً بأن يجعل منها فضاءً للعيش الكريم والإنتاج والاستثمار والابتكار.
ومن هنا، فإن ميناء الداخلة الأطلسي وما يرافقه من مشاريع كبرى ليس مجرد ورش إضافي في قائمة الأوراش الوطنية، وإنما يمكن قراءته باعتباره جزءاً من إعادة رسم موقع الداخلة في الخريطة الاقتصادية للمغرب والقارة.
إنها الداخلة التي تريد أن تتحول من أقصى الجنوب إلى مقدمة اقتصادية للمغرب نحو إفريقيا.
وهذا هو الفارق بين من ينظر إلى الصحراء باعتبارها ملفاً سياسياً، ومن ينظر إليها باعتبارها قضية وطنية ومشروعاً تنموياً واستثماراً في المستقبل.
47 سنة بعد استرجاع وادي الذهب، تغير المشهد كثيراً.
لكن الرسالة الأهم تبقى واحدة:
لقد استعاد المغرب الأرض، ثم بدأ معركة البناء.
واليوم، لم تعد المعركة فقط معركة إثبات الانتماء، وإنما معركة جعل هذه الأقاليم نموذجاً في التنمية والاقتصاد والاستثمار والانفتاح على إفريقيا.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة، والجهات، والمنتخبين، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والإعلام أيضاً: أن يواكبوا هذا التحول، وأن يراقبوا الأوراش، وأن يسائلوا المسؤولين عن النتائج، وأن يدافعوا عن حق المواطن الجنوبي في الاستفادة الكاملة من ثمار التنمية.
لأن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بكثرة الشعارات، وإنما بما ننجزه على الأرض.
وفي “بيتنا الآن” نقولها دون مواربة:
وادي الذهب لم يعد فقط ذكرى استرجاع… إنه اليوم عنوان لمغرب يتجه جنوباً نحو إفريقيا، وغرباً نحو الأطلسي، وأماماً نحو المستقبل.
وفي 14 غشت، نستحضر الرجال الذين جددوا البيعة للوطن، لكننا نستحضر أيضاً مسؤولية الأجيال الحالية في أن تجعل من تلك البيعة مشروعاً مستمراً للبناء والنماء.
وادي الذهب استُرجع بالأمس… واليوم يُبنى للمستقبل.