في فيلم The Truman Show يعيش البطل داخل عالم متخيَّل، يظنّه حقيقة مطلقة، بينما هو في الواقع أسير سيناريو مُعدّ سلفًا، تُحرّكه كاميرات خفية، وتُوجِّه ردود أفعاله وفق ما يُراد له أن يرى لا ما هو كائن فعلًا. هذا المجاز السينمائي يصلح اليوم، وبقوة، لفهم حالة بعض الأصوات الإعلامية الجزائرية، وعلى رأسها حفيظ الدراجي.
فالرجل يبدو وكأنه استيقظ ذات صباح ليجد أن المغرب هو “حدثه اليومي الثابت”: إن لم يكن موضوع مباراة، صار موضوع نية، وإن لم يكن تصريحًا صار تلميحًا، وإن لم يكن تحليلًا صار اتهامًا. حالة أقرب إلى الهوس منها إلى النقد، وأقرب إلى التلقائية الموجَّهة منها إلى الرأي الحر.
إعلام أم دور مُلقَّن؟
المتابع لخطاب الدراجي يلاحظ أنه لا يتحرك خارج إطار سردية جاهزة: مغرب “متآمر”، نجاح مغربي “مشبوه”، تنظيم “غير بريء”، تحكيم “مُسيَّس”. سردية واحدة تُعاد بصيغ مختلفة، حتى فقدت قيمتها التحليلية وتحولت إلى ضجيج مكرر. وهنا يُطرح السؤال المشروع: هل نحن أمام صحافي يُحلّل، أم أمام ممثل يُؤدّي دورًا داخل مشهد أكبر منه؟
لسنا في حاجة إلى الجزم أو الاتهام، لكن من حق المتلقي أن يشكك حين تتطابق اللغة الإعلامية مع خطاب سياسي رسمي، وحين يصبح “التحريض العاطفي” بديلاً عن المعلومة، و”النية المسبقة” بديلاً عن الوقائع.
المغرب… نجاح يُربك
ما يربك هذا الخطاب ليس المغرب كبلد، بل نجاح المغرب: تنظيم رياضي يُشاد به دوليًا، دبلوماسية هادئة تراكم المكاسب، وصورة خارجية تتعزز بالعمل لا بالضجيج. هذا النجاح، بدل أن يُقرأ ببرودة مهنية، يُواجَه بانفعال، وكأن الاعتراف به يُهدد سردية كاملة بُنيت على العكس.
وهنا تحديدًا تظهر “هلوسة ترومان”: عالم داخلي مغلق، لا يسمح بدخول المعطيات الجديدة، فيتم رفضها أو تشويهها بدل تحليلها.
التجاهل كأعلى درجات الرد
أمام هذا النوع من الخطاب، قد يبدو الرد مغريًا، لكن التجربة تُثبت أن التجاهل الواعي هو الرد الأذكى. فالخطاب الذي يعيش على الاستفزاز يذبل حين لا يجد صدى، ويخبو حين يُحاصر بالصمت المهني.
من هنا، فإن النداء موجَّه إلى الصحافيين، الإعلاميين، والمؤثرين المغاربة:
لا تمنحوا هذا الخطاب أكثر مما يستحق. لا تُحوّلوه إلى مركز نقاش. المغرب اليوم أقوى بإنجازاته، لا بردوده.
حفيظ الدراجي ليس مشكلة في حد ذاته، بل هو عرض لخطاب مأزوم، يرى في المغرب شماعة جاهزة لكل فشل، وخصمًا متخيَّلًا لكل إخفاق. ومثل بطل Truman Show، سيأتي يوم يصطدم فيه هذا الخطاب بجدار الواقع.
إلى ذلك الحين، يبقى الصمت المهني، والعمل الهادئ، والنجاح المتواصل… أبلغ رد.
شاهد أيضا
تعليقات الزوار