قرار عزيز أخنوش بين الانسحاب التكتيكي واستمرار النفوذ: قراءة في رهانات حزب التجمع الوطني للأحرار قبيل تشريعيات 2026

بقلم: حسن الخلقي
أعلن عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة، عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس الحزب، في قرار بدا، ظاهريًا، انسجامًا مع منطق التداول الداخلي واحترام الأعراف السياسية، خصوصًا في سياق وطني يتزايد فيه النقاش حول تجديد النخب وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن هذا القرار، في عمقه، يفتح الباب أمام أسئلة سياسية مشروعة تتجاوز الشكل إلى جوهر السلطة داخل الحزب ومستقبل قيادته الفعلية.
بين عدم الترشح واستمرار التحكم
عدم ترشح أخنوش لقيادة الحزب لا يعني بالضرورة خروجه من مركز القرار. فالتجربة الحزبية المغربية، كما في تجارب إقليمية أخرى، أبانت أن الانسحاب من الواجهة التنظيمية لا يعني دائمًا التخلي عن النفوذ. وهنا يبرز التخوف من سيناريو “الخروج من الباب الواسع والدخول من النافذة”، حيث يحتفظ الزعيم السابق بخيوط التحكم غير المعلنة، سواء عبر شبكة الولاءات، أو عبر التأثير في اختيار القيادة الجديدة.
في هذا السياق، يطرح سؤال محوري: هل يمكن أن يصبح رئيس الحزب المقبل مجرد واجهة تنظيمية، بينما يبقى أخنوش هو الرئيس الفعلي للحزب، بل وحتى للحكومة، من خلف الستار؟ هذا الاحتمال، إن تحقق، سيُفرغ القرار من محتواه الديمقراطي، ويحوّله إلى مجرد إعادة ترتيب للأدوار بدل انتقال حقيقي للسلطة داخل الحزب.
طموح رئاسة الحكومة لولاية ثانية
لا يخفي التجمع الوطني للأحرار طموحه في تصدر الانتخابات التشريعية لسنة 2026، ورئاسة الحكومة لولاية ثانية على التوالي. غير أن هذا الطموح يظل رهينًا بمدى قدرة الحزب على إقناع الرأي العام بأن ما تحقق في الولاية الأولى قابل للتجديد، وبأن الحزب قادر على تجديد ذاته داخليًا، وليس فقط تجديد موقعه في السلطة.
فإذا كان أخنوش سيظل المتحكم الفعلي في القرار الحزبي، فإن رهان “الولاية الثانية” قد يُقرأ على أنه استمرار لنفس المنهج ونفس القيادة، وإن تغيرت الأسماء، وهو ما قد يضعف خطاب التجديد ويغذي الانتقادات حول تركيز السلطة وتدويرها داخل دائرة ضيقة.
درس “الأمناء الخالدين” ومخاطر التوريث السياسي
التجربة الحزبية في المنطقة العربية أظهرت أن ظاهرة “الأمناء الخالدين” وتوريث الأحزاب، سواء للأبناء أو للأصهار أو للدائرة المقربة، غالبًا ما تقود إلى الجمود التنظيمي والانقسام الداخلي. ومن هذا المنطلق، يُطرح التخوف من أن يتحول اختيار رئيس جديد للتجمع الوطني للأحرار “على المقاس” إلى عامل توتر داخل الحزب، بدل أن يكون لحظة إجماع وتجديد.
اختيار قيادة صورية، أو قيادة مرتبطة بالكامل بالزعيم السابق، قد يخلق شرخًا داخليًا بين تيار يرى في القرار التفافًا على الديمقراطية الداخلية، وتيار آخر يعتبره ضرورة للحفاظ على “استقرار الحزب” ونجاعته الانتخابية.
بين الاستمرارية والتجديد
يبقى قرار عزيز أخنوش خطوة سياسية قابلة لقراءتين: قراءة إيجابية ترى فيه محاولة لتنظيم انتقال سلس للقيادة وضمان استمرارية المشروع الحزبي، وقراءة نقدية تخشى أن يكون مجرد إعادة تموقع، تُبقي على نفس مراكز القوة، وتُعيد إنتاج منطق التحكم بدل منطق التداول.
والفيصل في ذلك لن يكون في التصريحات، بل في طريقة اختيار القيادة الجديدة، وحدود استقلاليتها، ومدى استعداد أخنوش للانتقال من موقع “الزعيم المتحكم” إلى موقع “الفاعل السياسي الداعم من بعيد”. عندها فقط يمكن القول إن الحزب اختار فعلًا الخروج من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، أو العكس.
شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد