ليس عيبًا أن يخطئ موظف في وثيقة إدارية.
وليس عيبًا أن تسقط ورقة من ملف.
لكن عندما يتعلق الأمر بإحالة قانون إلى المحكمة الدستورية، فإن المسألة تصبح مختلفة.
نحن أمام قانون مرّ من مجلس النواب، ثم مجلس المستشارين، ثم عاد في إطار القراءة الثانية، ثم وجد طريقه إلى المحكمة الدستورية.
ومع ذلك، عندما وصلت الوثائق إلى المحكمة، اكتشفت أن النسخة الموجودة في الملف ليست النسخة التي يمكنها أن تمارس عليها رقابتها الدستورية.

هنا لا بد من السؤال:
من راجع الملف قبل أن يغادر البرلمان؟
ومن وقع على سلامة الوثائق؟
ومن يتحمل مسؤولية التأكد من أن المحكمة الدستورية تتوصل بالنص الذي أقره البرلمان في آخر مرحلة تشريعية؟
نحن لا نبحث عن رأس يُعلق عليه الخطأ.
ولا نريد تحويل قرار المحكمة إلى تصفية حسابات سياسية.
لكننا نريد شيئًا أبسط وأهم:
المسؤولية المؤسساتية.
فالبرلمان مؤسسة دستورية، ورئيس مجلس النواب ليس مجرد موظف يرسل البريد.
وعندما يتعلق الأمر بإحالة قانون على المحكمة الدستورية، فإن الأمر يتعلق بممارسة اختصاص دستوري بالغ الحساسية.
ثم تأتي المفارقة:
المحامون كانوا ينتظرون من المحكمة الدستورية أن تقول كلمتها في دستورية قانون مهنتهم… فإذا بالمحكمة تقول للبرلمان: لا أستطيع حتى أن أبدأ، لأن النص الذي أحلتموه إليّ لم يقدم بالطريقة التي تمكنني من مراقبته.
يا لها من مفارقة!
القانون الذي انتظر الجميع أن يدخل قاعة المحكمة الدستورية دخل إليها، لكنه لم يصل إلى منصة المحاكمة الدستورية.
وهنا لا ينبغي أن ينتهي النقاش.
بل ينبغي أن يبدأ.
لأن القضية ليست قضية محامين فقط.
إنها قضية جودة التشريع، ودقة العمل البرلماني، واحترام المؤسسات، وقدرة الإدارة التشريعية على تدبير الملفات التي ترتبط بالدستور.
وإذا كان خطأ تقني واحد قد جعل المحكمة الدستورية تعلن تعذر البت في الإحالة، فإن السؤال المشروع هو:
كم من الأخطاء التقنية تمر في ملفات أخرى ولا يراها أحد؟
من حق المواطن أن يسأل.
ومن واجب البرلمان أن يجيب.
ومن واجب المسؤولين أن يتحملوا مسؤولية مؤسساتهم دون تهرب أو تبرير.
أما المحكمة الدستورية، فقد قالت كلمتها بوضوح.
لم تحكم على قانون المحاماة… بل حكمت على الإحالة كما وصلت إليها.
وهذا في حد ذاته درس دستوري كبير.
فالذي يريد من المحكمة الدستورية أن تحكم في القانون، عليه أولًا أن يقدم لها القانون الذي تريد أن تحكم فيه.
وهذه، في تقدير «بيتنا الآن»، ليست مجرد ملاحظة تقنية.
إنها أبسط قواعد دولة القانون.


