مقالة تحليلية: تحوّلات المشهد الإقليمي وطيّ صفحة الأطروحات الانفصالية بالصحراء المغربية

بقلم: حسن الخلقي
شهد ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً جذرياً في موازين الخطاب السياسي والتحركات الدبلوماسية، بما يضع نهاية فعلية لـ“أسطوانة” الأطروحات القديمة التي دأبت الجزائر وجبهة البوليساريو على تكرارها منذ عقود. ومع تغير السياقات الدولية والإقليمية، برزت دينامية جديدة تقوم على الاعتراف المتزايد بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وتهافت القوى الاقتصادية العالمية على الاستثمار فيها، إضافة إلى الانخراط الأوروبي الجماعي في اتفاقيات تشمل الصحراء المغربية، في تجسيد مباشر لروح قرار مجلس الأمن رقم 2797.
1. الجزائر… مأزق خطاب قديم في عالم متغيّر
لقد ظلت الجزائر متمسكة بمواقف تقليدية حيال النزاع الإقليمي، قائمة على دعم أطروحة الانفصال كجزء من استراتيجيتها الجيوسياسية. إلا أنّ هذا الخطاب أصبح اليوم خارج الزمن السياسي والدبلوماسي لعدة أسباب:
أولاً: تغيّر أولويات المجتمع الدولي
العالم لم يعد يتفاعل مع نزاعات الحرب الباردة أو المشاريع الإيديولوجية. التركيز الآن على الاستقرار الإقليمي، محاربة الإرهاب، وتأمين سلاسل الطاقة والمعادن الحيوية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى المغرب باعتباره شريكاً موثوقاً، قادراً على توفير بيئة مستقرة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
ثانياً: تراجع فعالية الدبلوماسية الجزائرية
الخطابات المتكرّرة التي ظلت ترفعها الجزائر بخصوص “تقرير المصير” لم تعد تجد آذاناً صاغية، خاصة بعدما أصبح المجتمع الدولي يعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
2. نهاية سمفونية البوليساريو… بين العزلة الدبلوماسية والواقع الميداني
تواجه جبهة البوليساريو اليوم وضعاً معقداً:
عزلة دبلوماسية متصاعدة بعد سحب العديد من الدول اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”.
فشل استراتيجي في الحفاظ على قاعدة دعم قارّة داخل إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
تآكل خطابها السياسي بعد أن لم يعد منسجماً مع القراءات الحديثة للنزاعات الإقليمية.
هذا التآكل جعل البوليساريو تتحول من فاعل سياسي إلى مجرد عنصر داخل معادلة جهوية تُديرها الجزائر أكثر مما تعكس واقعاً شعبياً أو سياسياً في الأقاليم الجنوبية.
3. الصحراء المغربية… من منطقة نزاع إلى مركز استثمار دولي
أحد أهم مؤشرات التحول هو الإقبال المتزايد للدول الكبرى والشركات متعددة الجنسيات على الاستثمار في الصحراء المغربية، وهو تحول لم يكن ممكناً دون توفر بيئة استقرار سياسي وتنموي صنعها المغرب عبر مشاريع كبرى تشمل:
البنية التحتية المتطورة (ميناء الداخلة الأطلسي، الطرق، الطاقات المتجددة)
المدن الجديدة ومناطق الأنشطة الصناعية
مشاريع الفوسفات، الهيدروجين الأخضر، وصناعات الصيد البحري
هذا التهافت الاستثماري يعبر عن اعتراف عملي بسيادة المغرب، حتى في غياب بيانات سياسية صريحة، لأن رؤوس الأموال لا تتحرك في مناطق نزاع بل نحو المناطق المستقرة ذات الرؤية المستقبلية.
4. الاتحاد الأوروبي (27 دولة): توافق غير مسبوق حول اتفاقيات تشمل الأقاليم الجنوبية
قرار الاتحاد الأوروبي توقيع اتفاقيات اقتصادية وتجارية وزراعية مع المغرب تشمل الصحراء المغربية يمثل تطوراً مؤسسياً قوياً، لأن:
الإجماع الأوروبي (27 دولة) نادر الحدوث في ملفات حساسة.
جميع المؤسسات الأوروبية—المفوضية، البرلمان، المجلس—أقرت بمطابقة الاتفاقيات للقانون الدولي.
استشارة السكان المحليين كانت جزءاً من المسار الأوروبي، ما منح الاتفاقية شرعية إضافية.
هذا التوافق ينسف عملياً الخطاب القائل بأن الصحراء “منطقة متنازع عليها”، لأن أوروبا تتعامل معها باعتبارها جزءاً من المجال الاقتصادي المغربي.
5. قرار مجلس الأمن 2797… وضع النزاع على سكّته النهائية
جاء القرار 2797 ليؤكد القواعد التالية:
الحل السياسي واقعي وبراغماتي، وهو ما تنطبق عليه مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
الأطراف المعنية: المغرب، الجزائر، موريتانيا، والبوليساريو، مع تحميل الجزائر مسؤولية سياسية واضحة في المسار.
رفض أي تغيير أحادي للوضع القائم أو العودة إلى خطاب الحرب.
دعم متزايد لمسار المائدة المستديرة كآلية وحيدة لتسوية النزاع.
وبذلك، فإن القرار أعاد ضبط بوصلة المجتمع الدولي نحو حل واقعي ومستدام، بعيداً عن أطروحات الانفصال أو مشروع “الدولة الوهمية”.
شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد