حين تتحول النيران الصديقة إلى أخطر أسلحة تعطيل التنمية، يصبح تدخل وزارة الداخلية ضرورة وليس مجرد خيار!
في إقليم جرسيف، يبدو أن معركة التنمية لا تواجه فقط تحديات البنيات التحتية والإكراهات الاقتصادية والاجتماعية، بل تواجه، بحسب ما يتردد في الأوساط المحلية، مقاومة من نوع آخر، تقف وراءها جهات اعتادت السباحة في المياه العكرة، ولا يروق لها أن تتحول عجلة التنمية إلى واقع ملموس يقطع الطريق أمام المصالح الضيقة وحسابات النفوذ.
السيد عبد السلام الحناش، عامل إقليم جرسيف، الذي يُعد ثالث عامل يتولى مسؤولية قيادة الإقليم منذ إحداث عمالته، يجد نفسه أمام مسؤولية جسيمة تتجاوز التدبير الإداري اليومي إلى مواكبة الأوراش التنموية ذات الأبعاد السوسيو-اقتصادية والثقافية والجمعوية، في انسجام مع التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى جعل التنمية المحلية في خدمة المواطن وتحسين ظروف عيشه.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل جميع مكونات الإدارة الترابية بالإقليم تسير في الاتجاه نفسه؟ وهل هناك من يشتغل فعلاً لإنجاح المبادرات التنموية، ومن يفضل وضع العصي في عجلاتها؟
إن ما يثير القلق هو الحديث المتزايد عن وجود شبكات مصالح ونفوذ، من داخل الإدارة وخارجها، يُشتبه في أنها لا تتفاعل بالقدر المطلوب مع المبادرات التي يقودها عامل الإقليم، بل إن بعضها قد يتحول إلى مصدر للعرقلة والتشويش، في مشهد ينطبق عليه المثل القائل: يتلقى المسؤول الرصاص من النيران الصديقة قبل أن يواجه العراقيل القادمة من الخارج!
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ كيف يمكن لمسؤول ترابي أن ينجح في تنزيل برامج التنمية، إذا كانت بعض الجهات المفترض فيها أن تكون سنداً له تتحول إلى مصدر للمقاومة الصامتة؟ وكيف يمكن لجرسيف أن تكسب رهان الإقلاع التنموي، إذا ظلت الحسابات الشخصية وشبكات المصالح، إن ثبت وجودها، تتقدم على المصلحة العامة؟
لسنا هنا بصدد توزيع صكوك البراءة أو الإدانة، ولا استهداف أشخاص أو مؤسسات، وإنما نطرح أسئلة مشروعة تستوجب التوضيح والتحقق والمساءلة. فالإدارة الترابية ليست ملكاً لأحد، والوظيفة العمومية ليست امتيازاً لتصفية الحسابات أو حماية المصالح الخاصة، بل مسؤولية وطنية أساسها خدمة المواطن وتنفيذ السياسات العمومية.
إن ساكنة جرسيف لا تحتاج إلى صراعات الكواليس ولا إلى حروب النفوذ، بل تحتاج إلى إدارة منسجمة، ومسؤولين يتحلون بروح المسؤولية، وفاعلين يضعون مصلحة الإقليم فوق كل اعتبار. كما تحتاج إلى مواكبة حقيقية للمبادرات التنموية والثقافية والجمعوية، بدل تحويلها إلى ساحات للتجاذب والتنافس غير المنتج.
ومن هذا المنطلق، فإن وزارة الداخلية مطالبة بفتح ما يلزم من تحريات إدارية، والوقوف على حقيقة ما يروج بشأن الجهات التي قد تعرقل عمل عامل الإقليم، وتحديد المسؤوليات بناء على الوقائع والأدلة، وترتيب الجزاءات القانونية والإدارية عند ثبوت أي إخلال بالواجب المهني أو استغلال للنفوذ.
فجرسيف ليست ضيعة لأحد، وليست مجالاً مفتوحاً أمام لوبيات المصالح، إن وجدت، لتفرض منطقها على حساب التنمية ومستقبل الأجيال.
إن عامل الإقليم، مهما بلغت إرادته ومهما كانت طموحاته، لا يستطيع أن يصفق بيد واحدة. فنجاح أي مشروع تنموي يقتضي تضافر جهود جميع المتدخلين، وتوفير إدارة متعاونة لا إدارة متناحرة، ومحيطاً مؤسساتياً يحمي المبادرات بدل محاصرتها.
ولعل الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يهمه الأمر واضحة: زمن عرقلة التنمية لحسابات ضيقة يجب أن ينتهي، ومصلحة جرسيف ليست موضوعاً للمساومة أو تصفية الحسابات.
فإما أن نكون جميعاً في خدمة جرسيف، وإما أن نترك المجال لمن يريد الاشتغال من أجلها. أما السباحة ضد تيار التنمية، والعبث بآمال الساكنة، فذلك ما لا ينبغي أن يستمر.
بيتنا الآن: الخبر مقدس والتعليق حر