تبون يغيّر الوزراء… فمن يغيّر عقلية الحكم في الجزائر؟

مرة أخرى، تُفتح أبواب قصر المرادية على تعديل حكومي، وتُغلق على سؤال أكبر من أسماء الوزراء وأكبر من الحقائب التي تبدلت: هل تغيّرت الحكومة فعلاً، أم أن الذي تغيّر فقط هو ترتيب المقاعد؟

أربع حقائب وزارية تتبدل، ووجوه جديدة تدخل، وأخرى تعود إلى المشهد، بينما تبقى الملفات الثقيلة جاثمة فوق مكتب الرئيس عبد المجيد تبون: اقتصاد شديد الارتباط بالمحروقات، بطالة وتحديات اجتماعية، إدارة تحتاج إلى مزيد من الفعالية، وشارع يريد أن يرى نتائج ملموسة لا مجرد تغييرات في المناصب.

هنا تحديداً تبدأ الحكاية.

فالجزائري الذي يقف أمام طوابير الإدارات، ويبحث عن عمل، ويواجه غلاء المعيشة، وينتظر تحسين الخدمات، لا يهمه كثيراً اسم الوزير الذي دخل مكتبه.

ما يهمه هو: ماذا سيتغير؟

إذا كان تغيير الوزراء سيغير السياسات، فأهلاً بالتغيير.

أما إذا كان الهدف هو امتصاص الغضب وإعادة توزيع المسؤوليات، فإن المشكلة لن تختفي بمجرد تغيير أصحاب الكراسي.

الجزائر أكبر من حكومتها

الجزائر ليست بلداً عادياً.

بلد شاسع، غني بالموارد، يمتلك احتياطات طاقية مهمة، وثروات طبيعية كبيرة، وموقعاً استراتيجياً يجعل منه لاعباً أساسياً في شمال إفريقيا والساحل.

ولهذا تحديداً يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:

لماذا لا تتحول هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية واجتماعية تضاهي حجم الجزائر؟

الثروة عندما لا تتحول إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل وتنمية مستدامة، تتحول من فرصة إلى عبء.

والاعتماد الكبير على النفط والغاز قد يمنح الدولة قدرة مالية في فترات الرواج، لكنه لا يعفيها من السؤال الأصعب: ماذا بعد المحروقات؟

هذه ليست معركة مع المغرب، ولا مؤامرة خارجية.

إنها معركة الجزائر مع نفسها.

والمغرب ليس شماعة لكل شيء

هنا يجب أن تكون الرسالة واضحة.

يمكن للجزائر أن تختلف مع المغرب، ويمكن أن تتبنى ما تشاء من المواقف السياسية والدبلوماسية، لكن تحويل المغرب إلى عنوان دائم لكل إخفاق أو أزمة لن يحل مشكلة واحدة داخل الجزائر.

المغرب ليس مسؤولاً عن البطالة في الجزائر، ولا عن أزمة السكن، ولا عن إصلاح الإدارة، ولا عن تنويع الاقتصاد.

هذه ملفات جزائرية بامتياز.

وإذا كان المغرب قد أصبح منافساً إقليمياً في عدد من المجالات، فالجواب على ذلك لا يكون بالصراخ الإعلامي، ولا بتبادل الاتهامات، وإنما ببناء اقتصاد أكثر تنافسية ودبلوماسية أكثر انفتاحاً.

الدول القوية لا تخاف من نجاح جيرانها.

بل تجعل من نجاح الآخرين حافزاً لتطوير نفسها.

حكومة جديدة… بعقلية قديمة؟

عودة بعض الوجوه الوزارية السابقة تطرح سؤالاً مشروعاً:

هل عجزت الجزائر عن إنتاج جيل جديد من المسؤولين، أم أن الثقة في الوجوه القديمة أصبحت أقوى من الرغبة في التجديد؟

السؤال ليس موجهاً ضد الأشخاص.

فالكفاءة لا تُقاس بعمر المسؤول ولا بعدد المناصب التي شغلها.

لكن السياسة تقاس بالنتائج.

وإذا عاد الوزير إلى الحكومة، فعلى الحكومة أن تقول للمواطن بوضوح: لماذا عاد؟ وما الذي سيُطلب منه تحقيقه؟ وما هي مؤشرات النجاح التي سيحاسب عليها؟

فزمن الوزير الذي يبقى سنوات في منصبه دون أن يعرف المواطن ماذا حقق يجب أن ينتهي.

الاختبار الحقيقي أمام تبون

التحدي أمام الرئيس عبد المجيد تبون ليس العثور على وزراء جدد.

التحدي هو تغيير طريقة العمل نفسها.

حكومة قوية تعني وزراء يملكون أهدافاً واضحة، وبرامج قابلة للقياس، ومحاسبة حقيقية، وإدارة تستمع للمواطن، وإعلاماً رسمياً لا يكتفي بالدفاع عن السلطة، بل يشرح للناس ماذا تفعل الدولة ولماذا.

أما أن تتغير الأسماء وتبقى العقلية نفسها، فذلك ليس إصلاحاً.

إنه تغيير للواجهة وإبقاء على البناء كما هو.

والجزائر تستحق أكثر من ذلك.

وبين الرباط والجزائر… هناك درس لا يريد أحد الاعتراف به

في الوقت الذي تتنافس فيه الدول على الاستثمار والأسواق والشراكات والنفوذ في إفريقيا، لا يمكن لأي دولة أن تجعل جزءاً كبيراً من طاقتها السياسية موجهاً إلى مراقبة جارها.

المغرب والجزائر بلدان جاران، وبينهما تاريخ وجغرافيا وشعبان تجمعهما روابط عميقة، مهما بلغت الخلافات السياسية.

ومن مصلحة المنطقة أن تنتصر لغة المصالح على لغة القطيعة.

فالمواطن المغربي لا يحتاج إلى جزائر ضعيفة.

والمواطن الجزائري لا يحتاج إلى مغرب ضعيف.

شمال إفريقيا بأكمله يحتاج إلى دولتين قويتين، لا إلى دولتين منشغلتين بإثبات أيهما أكثر عداءً للآخر.

لكن قبل الحديث عن المنافسة مع المغرب، على الجزائر أن تجيب عن سؤال أبسط:

هل تستطيع أن تجعل المواطن الجزائري يشعر بأن بلاده تستثمر ثروتها من أجله؟

إذا كانت الإجابة نعم، فهذه هي بداية القوة الحقيقية.

أما إذا كانت الإجابة لا، فلن تنفع عشرات التعديلات الحكومية.

كلمة «بيتنا الآن»

الحكومة لا تُقاس بعدد الوزراء الذين دخلوا وخرجوا.

الحكومة تُقاس بما يدخل إلى جيب المواطن، وما يخرج من قوائم البطالة، وما يتحسن في المستشفى والمدرسة والإدارة، وما يُنتج داخل البلاد، وما تستقطبه من استثمارات، وما تحققه من حضور دولي.

الجزائر لا تحتاج فقط إلى تغيير الوزراء.

تحتاج إلى أن تسأل نفسها بشجاعة:

ماذا نريد أن تكون الجزائر بعد عشر سنوات؟

فإذا كان الجواب مشروعاً وطنياً واضحاً، فلتكن الحكومة أداة لتنفيذه.

أما إذا ظل التعديل الحكومي مجرد لعبة كراسي، فإن المواطن سيبقى هو نفسه في مقعد الانتظار.

وفي النهاية…

قد يستطيع الرئيس تغيير وزير، أو أربعة وزراء، أو حكومة بأكملها.

لكن أصعب تغيير هو تغيير عقلية الحكم.

وذلك هو الاختبار الحقيقي.

بيتنا الآن

الخبر مقدس والتعليق حر.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد