هل وصلت إلى عامل إقليم جرسيف، ورئيس قسم الشؤون الداخلية، والمصالح الأمنية المختصة، أخبار الوليمتين اللتين أقيمتا خلال الأيام الأخيرة لفائدة أنصار مرشحين للانتخابات، واحدة من طرف مرشح حزب الأصالة والمعاصرة، وأخرى من طرف مرشح حزب الحركة الشعبية؟
السؤال مشروع، بل أصبح ضرورياً، لأن ما يجري في الكواليس الانتخابية بإقليم جرسيف لم يعد مجرد «ولائم» عابرة أو لقاءات اجتماعية بريئة، وإنما يبدو ـ بحسب ما تتداوله الأوساط المحلية ـ أشبه بـتسخينات انتخابية مبكرة، في وقت يفترض فيه أن تكون قواعد اللعبة الانتخابية واضحة، وأن يكون الجميع تحت سقف القانون، لا فوقه.
الأخطر من الولائم نفسها هو ما يُثار حول استعمال سيارات تابعة لبعض الجماعات الترابية في سياق هذه التحركات، من طرف رؤساء جماعات ينتمون حزبياً إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وهو أمر، إن ثبت، لا يمكن التعامل معه بمنطق «عادي، مجرد انتخابات».
فسيارات الجماعات ليست ملكاً حزبياً، ولا وسيلة للنقل لفائدة المرشحين أو الأحزاب، وإنما هي وسائل عمومية مخصصة لخدمة المرفق العام، وأي استعمال لها خارج الأغراض القانونية يستوجب التحقق والمسؤولية، خصوصاً في فترة انتخابية حساسة.
وهنا نسأل بصوت مرتفع:
هل قامت السلطة الإقليمية بفتح تحقيق في هذه الوقائع؟ وهل تم إشعار قسم الشؤون الداخلية؟ وهل باشرت المصالح الأمنية، كل في نطاق اختصاصه، إجراءات التحقق من المعطيات المتداولة؟ وهل وضعت اللجنة الإقليمية المكلفة بالانتخابات هذه الوقائع تحت المجهر؟
إن الصمت، في مثل هذه الحالات، قد يُفهم خطأً على أنه تساهل.
جرسيف ليست منطقة خارج القانون، والانتخابات ليست موسم ولائم، وليست مناسبة لاستعراض النفوذ والمال والسيارات العمومية والقدرة على الحشد.
ومن حق المواطن أن يعرف: هل نحن أمام انتخابات حرة ونزيهة، أم أمام سباق انتخابي بدأ قبل الأوان بمنطق «من يطعم أكثر ويحشد أكثر»؟
لقد كان من اللازم أن تكون الرسالة واضحة منذ البداية:
لا ولائم انتخابية مقنّعة، لا استغلال للمال أو النفوذ، لا تسخير للممتلكات العمومية، ولا تحويل للجماعات الترابية إلى ملحقات انتخابية لأي حزب، سواء كان المرشح ينتمي إلى الأصالة والمعاصرة أو الحركة الشعبية أو غيرهما.
وإذا كانت هذه الولائم مجرد لقاءات عادية، فليخرج أصحابها ويقدموا للرأي العام توضيحاتهم. أما إذا كانت جزءاً من حملة انتخابية سابقة لأوانها أو استعملت فيها إمكانيات عمومية، فهنا لا مجال للمجاملة، لأن القانون يجب أن يكون أقوى من المرشح، وأقوى من الحزب، وأقوى من كل الحسابات الانتخابية.
«بيتنا الآن» تراقب.. ولن تكتفي بالمشاهدة
وحتى لا يُقال إن الصحافة تكتب من خلف المكاتب، فقد قررت جريدة «بيتنا الآن» انتداب مراسل لمواكبة المشهد الانتخابي بإقليم جرسيف، وتتبع تحركات المرشحين، واللقاءات والولائم، واستعمال الوسائل العمومية، وكل ما قد يشكل خرقاً للقواعد القانونية المنظمة للعملية الانتخابية.
لن نكون طرفاً مع هذا الحزب أو ذاك.
سنكون مع القانون فقط.
وسنضع ما نتوصل إليه من معطيات ووثائق وشهادات موثوقة أمام الرأي العام، مع منح كل من تثار حوله واقعة حقه الكامل في التوضيح والرد.
فالانتخابات ليست وليمة.
والجماعة الترابية ليست ضيعة انتخابية.
والسيارة العمومية ليست سيارة الحزب.
والمواطن ليس رقماً في لائحة المدعوين إلى مأدبة انتخابية.
أما من يريد أن يسخّن الانتخابات بالولائم، فليتذكر أن هناك من يراقب، وهناك قانون، وهناك صحافة لن تسكت عندما تصبح التسخينات الانتخابية على حساب المال العام أو قواعد المنافسة الشريفة.
ولنا عودة إلى هذا الملف…