بقلم:حسن الخلقي:ديبلوم الدراسات العليا في الإعلام والإتصال.
شكّل المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار محطة سياسية لافتة في المشهد الحزبي المغربي، ليس فقط من حيث نتائجه التنظيمية، بل أساسًا من حيث دلالاته السياسية العميقة المرتبطة بثقافة التداول على المسؤولية واحترام القواعد الديمقراطية الداخلية. فقد أفضى هذا المؤتمر، في أجواء هادئة ومنضبطة، إلى انتخاب محمد الشوكي رئيسًا جديدًا للحزب، خلفًا لعزيز أخنوش الذي اختار، بإرادته السياسية، عدم الترشح لولاية ثالثة، رغم أن ذلك كان ممكنًا من الناحية القانونية والتنظيمية.
إن قرار عزيز أخنوش عدم الاستمرار في قيادة الحزب، وهو في ذروة النفوذ السياسي والتنظيمي، لا يمكن قراءته إلا بوصفه رسالة سياسية قوية موجهة إلى النخب الحزبية التي ما تزال تُؤْمِن بمنطق “الزعيم الأبدي”، وتتعامل مع الأحزاب كملكيات خاصة تُدار بمنطق الوراثة أو تُسلَّم مفاتيحها للمقربين والمحاسيب، في خرق سافر للقوانين الداخلية وضرب صريح لإرادة القواعد الحزبية.

لقد قدّم أخنوش، بهذا الموقف، درسًا عمليًافي الديمقراطية الداخلية، مفاده أن قوة الحزب لا تكمن في تشبث الأشخاص بالمواقع، بل في قدرة التنظيم على إنتاج نخب جديدة وضمان الاستمرارية عبر التناوب. وهو درس تشتد الحاجة إليه في مشهد حزبي يعاني، في كثير من تجلياته، من الجمود القيادي واحتكار القرار.
وما يلفت الانتباه أكثر هو أن هذا الانتقال تم في زمن قياسي، حيث لم تتجاوز أشغال المؤتمر أربع ساعات، دون أن تُسجَّل أي مناوشات أو صراعات أو انقسامات، وهو أمر نادر في مؤتمرات الأحزاب، خاصة عندما يتعلق الأمر بتغيير القيادة. هذا المعطى يعكس درجة عالية من النضج التنظيمي، ويؤشر على وجود حد أدنى من التوافق الداخلي حول مسار الحزب وخياراته.
قد يُقال الكثير عن توقيت المؤتمر، أو عن السرعة التي تم بها الانتقال، بل وقد يذهب البعض إلى القول إن عزيز أخنوش “خرج من الباب ليدخل من النافذة”. غير أن جوهر المسألة لا يكمن في هذه القراءات، بقدر ما يكمن في الرسالة السياسية التي تم تمريرها: احترام التداول، وتغليب منطق المؤسسات على منطق الأشخاص.
إن أخنوش، بخروجه الهادئ من قيادة الحزب، لا يغادر المشهد السياسي، بل يعيد تموقعه داخله، ليصبح أحد حكماء الحزب إلى جانب وجوه وازنة من الجيل القديم، من قبيل رشيد الطالبي العلمي ومحمد أوجار، بما يضمن استمرارية التجربة وتوازنها بين التجديد والتراكم.
في المحصلة، يمكن القول إن المؤتمر الاستثنائي للتجمع الوطني للأحرار لم يكن مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل شكل لحظة سياسية ذات رمزية قوية، أعادت الاعتبار لقيم الانتقال الديمقراطي والتناوب الداخلي، وقدّمت نموذجًا—ولو نسبيًا—لما ينبغي أن تكون عليه الأحزاب في مغرب يسعى إلى ترسيخ الممارسة الديمقراطية، لا الاكتفاء برفع شعاراتها.واللافت في هذا الانتقال، أنه لم يقتصر على رئاسة الحزب فحسب، بل شمل أيضًا إعادة ترتيب بعض المفاصل التنظيمية الأساسية، من خلال تعيين مدير جديد لمقر الحزب وأمين مال جديد، في خطوة تؤكد أن التغيير كان مقصودًا به الشكل والمضمون معًا، دون السقوط في منطق القطيعة الشاملة أو إرباك التوازنات الداخلية. في المقابل، تم الحفاظ على نفس القيادة داخل المكتب السياسي، بما يضمن الاستمرارية ويؤمّن الانتقال الهادئ بين جيلين، ويعكس وعيًا بأن الديمقراطية لا تعني الهدم، بل تعني التجديد المؤطر والمؤسساتي.
وتكفي، في هذا السياق، رسالة التهنئة الملكية الموجهة إلى الرئيس المنتخب محمد الشوكي، بما تحمله من رمزية سياسية ودستورية، لتؤكد مكانة الحزب داخل النسق السياسي الوطني. كما أن الوصف الوارد في الرسالة الملكية في حق عزيز أخنوش، حين نُعِت بـ“خديمنا الأرضى”، لا يمكن قراءته قراءة عابرة، بل هو توصيف يحمل أكثر من دلالة في شكله وعمقه، ويُعبّر عن تقدير لمسار سياسي واختيارات اتسمت بالانضباط المؤسساتي وتغليب المصلحة العامة.
إنها رسالة مزدوجة: إشادة بانتقال ديمقراطي سلس، وتنويه بثقافة سياسية تؤمن بأن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن التداول على القيادة ليس ضعفًا بل قوة. وبهذا المعنى، يكون حزب التجمع الوطني للأحرار قد قدّم، مرة أخرى، درسًا عمليًا لمن يهمهم الأمر، في كيفية إدارة الاختلاف، وتنظيم الخلاف، وصناعة الانتقال الديمقراطي داخل الأحزاب، لا كشعار مرفوع، بل كممارسة فعلية تُقاس بالقرارات لا بالنوايا.