الخرائطية والرقمنة الشاملة… الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية ترسم معالم مغرب 2030

في عالم أصبحت فيه المعلومة الجغرافية والفضائية إحدى أهم ركائز التنمية والسيادة الوطنية، لم تعد الخرائط مجرد وثائق تقنية تحدد المواقع والحدود، بل تحولت إلى رافعة استراتيجية لاتخاذ القرار العمومي، وأداة أساسية في التخطيط العمراني، وتدبير الموارد الطبيعية، ومواكبة الاستثمارات، والوقاية من المخاطر، وتعزيز الأمن الترابي. ومن هذا المنطلق، تواصل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية أداء أدوارها الاستراتيجية، من خلال تحديث منظومتها الخرائطية وتسريع وتيرة الرقمنة الشاملة للمعلومات المترية والجغرافية.

لقد أدركت الوكالة، في وقت مبكر، أن التحول الرقمي لم يعد خيارا، بل ضرورة تفرضها متطلبات التنمية، والتطور التكنولوجي، وتزايد الحاجة إلى معطيات دقيقة ومحينة. لذلك، جعلت من رقمنة البيانات الجغرافية، وتطوير البنيات التحتية للمعلومات الجغرافية، وتحديث وسائل الإنتاج الخرائطي، إحدى أولوياتها الكبرى، بما ينسجم مع الرؤية الملكية الداعية إلى تحديث الإدارة وتعزيز الحكامة الرقمية.

وفي هذا السياق، يشكل المخطط الاستراتيجي 2030 محطة مفصلية في مسار الوكالة، إذ يروم تعزيز مكانتها كمؤسسة سيادية ورائدة وطنيا وجهويا في إنتاج وتدبير وتثمين المعلومة الجغرافية والفضائية، مع جعل هذه المعلومة رافعة للتنمية المستدامة، ومرجعا لمختلف الإدارات والمؤسسات والفاعلين الاقتصاديين.

ويقوم هذا التوجه على الاستثمار في أحدث التقنيات، من بينها التصوير الجوي، والاستشعار عن بعد، وأنظمة المعلومات الجغرافية، والنماذج الرقمية للتضاريس، والخرائط الرقمية متعددة الاستعمالات، بما يسمح بإنتاج معطيات دقيقة، وتحيينها باستمرار، وتوفيرها وفق معايير الجودة والموثوقية.

كما تعمل الوكالة على توسيع نطاق رقمنة الأرشيف الخرائطي، وإحداث قواعد بيانات جغرافية متكاملة، بما يسهل الولوج إلى المعلومة، ويرفع من نجاعة الخدمات المقدمة للإدارات والمهنيين والباحثين والمستثمرين، ويسهم في تقليص آجال الإنجاز، وتحسين جودة الخدمات العمومية.

ولا تقتصر أهمية هذه الأوراش على بعدها التقني، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية، ذلك أن المعلومة الجغرافية أصبحت اليوم ركيزة أساسية لإنجاز المشاريع الكبرى، وتخطيط المدن، وتدبير الشبكات والموارد، وحماية البيئة، ومواجهة آثار التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية، فضلا عن مساهمتها في دعم الأمن الترابي وصيانة المجال الوطني.

ومن الإنصاف الإشادة بالدينامية التي يقودها المدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، كريم تجموعتي، الذي جعل من تحديث المؤسسة وتطوير أدائها أحد أبرز رهاناته، عبر إطلاق مشاريع هيكلية في مجالات الرقمنة، والحكامة، وتطوير الرأسمال البشري، وتعزيز الابتكار.

كما يحسب له اختياره قيادة نسائية على رأس مديرية الخرائطية، في تجسيد عملي لمبدأ تكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالكفاءة والخبرة. وقد أبانت هذه القيادة، بما راكمته من تجربة مهنية ومعرفة تقنية، عن قدرة واضحة على تدبير هذا القطاع الاستراتيجي، من خلال مواصلة تحديث آليات العمل، والرفع من جودة الإنتاج الخرائطي، وتعزيز الانفتاح على مختلف الشركاء والمرتفقين، بما ينسجم مع طموحات الوكالة وأهدافها المستقبلية.

إن نجاح أي مؤسسة استراتيجية لا يقاس فقط بحجم مشاريعها، وإنما أيضا بقدرتها على استشراف المستقبل، وتبني أحدث التقنيات، واستثمار الكفاءات الوطنية. ويبدو أن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كفاعل وطني مرجعي في مجال إنتاج وتدبير المعلومة الجغرافية والفضائية، وكشريك أساسي في تنزيل الأوراش التنموية الكبرى التي يعرفها المغرب.

إن رهان سنة 2030 لا يقتصر على بلوغ أهداف رقمية أو تقنية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للمعلومة الجغرافية، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والعمرانية والبيئية، وتعزيز تنافسية المملكة، وترسيخ سيادتها الرقمية والمجالية، بما يجعل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية واحدة من أهم المؤسسات العمومية التي تشتغل بصمت، لكنها تؤدي أدوارا محورية في خدمة الدولة والمواطن والتنمية.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد