شهدت بعض المدن مساء الجمعة 04 أبريل 2026 وقفة احتجاجية رفعت خلالها شعارات تنتقد مواقف المغرب من القضية الفلسطينية. وبغض النظر عن الحق المشروع في التعبير والاحتجاج، فإن ما يستوقف المتتبع هو طبيعة الخطاب الذي طغى على هذه الوقفة، والذي بدا في جزء منه منفصلاً عن السياق التاريخي والدبلوماسي العميق للمملكة في دعم القضية الفلسطينية.
إن الذاكرة الجماعية لا ينبغي أن تكون انتقائية أو قصيرة. فالمغرب لم يكن يوماً بلداً عابراً في مسار الدفاع عن فلسطين، بل شكل أحد أعمدة هذا المسار منذ عقود. يكفي التذكير بأن منظمة منظمة التعاون الإسلامي انبثقت سنة 1969 عقب إحراق المسجد الأقصى، وكان للمغرب دور محوري في احتضان هذا التأسيس التاريخي. كما أن محطة مؤتمر الرباط 1974 شكلت منعطفاً حاسماً، حيث تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، في خطوة دبلوماسية ذكية ارتبطت بحكمة الملك الراحل الحسن الثاني.
ولم يكن ذلك مجرد موقف عابر، بل تأسس عليه عمل مؤسساتي دائم من خلال لجنة القدس، التي يترأسها اليوم محمد السادس، والتي تواصل دعمها السياسي والميداني للقدس وأهلها، بعيداً عن الضجيج الإعلامي والشعارات اللحظية.
إن النقد، حين يكون مبنياً على معرفة دقيقة، يشكل قيمة مضافة للنقاش العمومي، لكن حين يتحول إلى شعارات عاطفية تفتقر للعمق، فإنه يفقد أثره بل وقد يسيء للقضية التي يدّعي الدفاع عنها. فالقضية الفلسطينية لا تختزل في رفع لافتات أو ترديد هتافات، بل تحتاج إلى عمل متواصل، دعم مادي ومعنوي، ومرافعة دبلوماسية ذكية في المحافل الدولية.
لقد كان المغرب، قيادةً وشعباً، من الدول التي قدمت دعماً ملموساً للفلسطينيين، سواء عبر القنوات الرسمية أو المبادرات الشعبية. ومن المؤسف أن يتم تجاهل هذه التراكمات التاريخية، ليُختزل كل ذلك في لحظة احتجاجية تُوجَّه فيها سهام النقد نحو بلد ظل وفياً لمواقفه.
وفي هذا السياق، يبرز دور الدبلوماسية المغربية بقيادة وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، التي تشتغل بهدوء وفعالية، محققة مكاسب ملموسة بعيداً عن منطق الاستعراض. فالدبلوماسية ليست حلبة شعارات، بل مجال لتراكم الإنجازات بصمت.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا قدمت هذه الوقفات فعلياً للقضية الفلسطينية؟ هل ساهمت في تخفيف معاناة الفلسطينيين؟ أم أنها مجرد تنفيس ظرفي لمشاعر الغضب؟ بل أليس من الأجدى تحويل هذه الطاقة الاحتجاجية إلى مبادرات عملية، كجمع التبرعات أو دعم المشاريع الإنسانية؟
إن الشعب الفلسطيني في حاجة إلى الدعم الحقيقي، لا إلى مزايدات خطابية. وفي المقابل، فإن الدفاع عن القضية يجب أن يظل مسؤولاً، واعياً، ومبنياً على إدراك عميق لتاريخ المواقف وثقلها.
ختاماً، ليس المطلوب إسكات الأصوات، بل ترشيدها. فالقضايا العادلة لا تخدمها الشعارات الجوفاء، بل يخدمها العمل الصادق، والوعي الراسخ، والإنصاف في تقييم المواقف.