حين تتحول المؤسسات من فضاء للتنمية إلى هاجس المراقبة
حين ينصرف اهتمام الوزير أو المدير العام، ومعه الكاتب العام، إلى تدبير شؤون وزارته أو مؤسسته بروح إصلاحية، قوامها البحث عن الحلول، وفتح قنوات الحوار الجاد مع النقابات، والاستثمار في تنمية الموارد البشرية، والارتقاء بالأعمال الاجتماعية، فإن ذلك يشكل المؤشر الحقيقي على السير في الاتجاه الصحيح. فالمؤسسات لا تُبنى بالقرارات الفوقية وحدها، بل بتعزيز الثقة، وترسيخ ثقافة الإنصات، والانفتاح على مختلف الفاعلين.
غير أن الخلل العميق يبدأ حين تنحرف البوصلة، ويتحول هاجس المسؤول الأول ومن معه إلى تتبع “من يسرب الأخبار”، وبناء شبكات غير رسمية للرصد والتجسس داخل المؤسسة. هنا، لا نكون أمام إدارة عمومية حديثة، بل أمام عقلية أمنية تُفرغ المرفق العمومي من وظائفه الأساسية.
إن تحويل الوزارة أو المؤسسة إلى فضاء للشك والارتياب يقتل روح المبادرة، ويزرع الخوف بدل التحفيز، ويجعل الموظف منشغلاً بحماية نفسه بدل الإبداع في عمله. والأسوأ من ذلك، أن هذا النهج يضرب في العمق مبدأ الشفافية، ويعكس ضعفًا في القدرة على التدبير، لأن الإدارة القوية لا تخشى تداول المعلومة، بل تؤطرها وتستثمرها.
المؤسسات العمومية وُجدت لخدمة المواطن، لا لتتبع الموظفين، ولتحقيق التنمية، لا لبناء “مراكز مخابرات” موازية. وعندما تغيب الأولويات، يصبح الانحدار مسألة وقت، وتفقد الإدارة ثقة محيطها الداخلي والخارجي على حد سواء.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في معرفة من يتحدث، بل في إصلاح ما يجب أن يُقال. وليس في محاصرة المعلومة، بل في إنتاج سياسات عمومية ناجعة تجعل من تسريب الإنجازات، لا الاختلالات، هو العنوان الأ//برز.