في تطور ينذر بتداعيات مباشرة على مصالح المواطنين وعلى سير المعاملات التوثيقية بالمملكة، أعلنت الهيئة الوطنية للعدول عن خطوات تصعيدية غير مسبوقة، وذلك عقب ما وصفته بـ”استمرار تجاهل الحكومة للمطالب المشروعة والعادلة” وعدم التفاعل الإيجابي مع مراسلاتها المتكررة الموجهة إلى رئاسة الحكومة.
وبحسب بلاغ توصلت به الجريدة، فإن المكتب التنفيذي للهيئة قرر خوض برنامج نضالي تصعيدي، يتقدمه توقف شامل عن تقديم كافة الخدمات التوثيقية على الصعيد الوطني ابتداء من يوم الاثنين 12 أبريل 2026، ولمدة مفتوحة، في خطوة من شأنها أن تشل جزءا مهما من المعاملات اليومية المرتبطة بالعقار والتوثيق والزواج والإرث وغيرها من الخدمات الحيوية.
كما أعلنت الهيئة عن تنظيم وقفة احتجاجية حاشدة يوم 13 أبريل 2026، في رسالة واضحة إلى الحكومة مفادها أن صبر المهنيين قد بلغ مداه، وأن تجاهل مطالبهم لن يمر دون رد ميداني مؤثر.
ويتمحور جوهر هذا التصعيد حول الرفض المطلق لتمرير مشروع القانون 22.16 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، في صيغته الحالية، دون الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات ومقترحات الهيئة الوطنية، وكذا التعديلات التي تقدمت بها مختلف الفرق البرلمانية، سواء من الأغلبية أو المعارضة. وهو ما تعتبره الهيئة مساسا بمقاربة تشاركية يفترض أن تكون أساس أي إصلاح قانوني يهم مهنة حساسة بهذا الحجم.
وفي هذا السياق، جددت الهيئة مطلبها الصريح بـسحب أو تجميد مشروع القانون 22.16، داعية في الآن ذاته رئيس الحكومة إلى فتح حوار جاد ومسؤول ومنتج، يفضي إلى صيغة توافقية تضمن تطوير المهنة وتحصينها، بدل فرض نص قانوني لا يحظى بإجماع مهني.
ولم يقتصر البلاغ على إعلان الخطوات الاحتجاجية، بل دعا أيضا رؤساء المجالس الجهوية للعدول إلى تكثيف التواصل الإعلامي والتعريف بخلفيات هذا التصعيد، ومرتكزاته المهنية والقانونية، في محاولة لكسب تعاطف الرأي العام وتوضيح أن المعركة ليست فئوية ضيقة، بل ترتبط بجودة وأمن التوثيق في البلاد.
وفي لهجة تحمل الكثير من التحذير، حمّلت الهيئة الحكومة المسؤولية الكاملة عن كل ما ستؤول إليه الأوضاع، بما في ذلك تعطيل مصالح المواطنين وتوقف الخدمات التوثيقية، معتبرة أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لسياسة “الأذن الصماء” تجاه مطالب مهنيين يشكلون أحد أعمدة الأمن التعاقدي بالمغرب.
كما كشفت الهيئة عن عزمها تنظيم ندوة صحفية في وقت لاحق، سيتم خلالها بسط كافة التفاصيل المرتبطة بملف مشروع القانون 22.16، وتوضيح مكامن الخلل فيه، وكذا عرض تصورها البديل لإصلاح المهنة.
إن ما يجري اليوم يعكس بوضوح أزمة ثقة بين الحكومة وهيئة مهنية عريقة، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول منهجية تدبير ملفات الإصلاح القانوني، خاصة حين يتعلق الأمر بقطاعات حيوية تمس بشكل مباشر استقرار المعاملات وحماية الحقوق.
فهل تستدرك الحكومة الموقف وتفتح باب الحوار قبل أن يتحول هذا الاحتقان إلى أزمة أعمق؟ أم أن البلاد مقبلة على مرحلة “فراغ توثيقي” ستكون كلفتها باهظة على المواطن والاقتصاد معا؟
