داخل المؤسسات العمومية الاستراتيجية، لا يعد التواصل الإداري مجرد وظيفة تقنية، بل هو أحد تجليات القرار المؤسساتي، لأنه يعكس توجهات المؤسسة ويخاطب الرأي العام باسمها. لذلك، جرى العرف في أغلب الوزارات والمؤسسات العمومية على أن تكون خلية أو مديرية التواصل تحت الإشراف المباشر للوزير أو المدير العام، باعتباره المسؤول الأول عن المؤسسة.
غير أن ما يثير الاستغراب داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية هو أن قسم التواصل يتبع للكاتب العام، وليس للمدير العام. وهي وضعية تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مركز صناعة القرار التواصلي داخل مؤسسة تعتبر من أهم المؤسسات الاستراتيجية بالمملكة.
فهل يطلع المدير العام، الذي حظي بالثقة المولوية السامية لتدبير هذه المؤسسة، على كل البلاغات والأخبار والمواد الإعلامية قبل إرسالها إلى وسائل الإعلام؟ أم أن الكاتب العام، بحكم تبعية قسم التواصل له، يتولى تدبير هذا الملف بشكل مباشر؟
إن الرأي العام من حقه أن يعرف، لأن البلاغات الصادرة عن المؤسسة ليست وثائق داخلية، بل رسائل رسمية تعبر عن مواقفها، وتساهم في تشكيل صورتها أمام المواطنين والشركاء والمؤسسات.
وإذا كان المدير العام يوافق على كل ما يصدر، فإن المسؤولية السياسية والإدارية والأخلاقية تبقى مسؤوليته، باعتباره الآمر بالصرف والمسؤول الأول عن الوكالة. أما إذا كانت الكتابة العامة هي التي تدير هذا الملف باستقلالية، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: أين تبدأ مسؤولية المدير العام وأين تنتهي صلاحيات الكاتب العام؟
إن تعدد مراكز القرار داخل أي مؤسسة عمومية لا يخدم الحكامة، بل يخلق ضبابية في المسؤوليات، ويجعل من الصعب تحديد من يتحمل نتائج القرارات عند النجاح أو عند الإخفاق.
لسنا هنا بصدد توجيه اتهامات إلى أي شخص، وإنما نطرح سؤالاً مشروعاً يفرضه منطق التدبير العمومي: من يقود فعلياً الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية؟ وهل القرار الاستراتيجي، بما فيه القرار التواصلي، يوجد فعلاً بيد المدير العام، أم أن مراكز أخرى أصبحت تمارس نفوذاً يجعلها صاحبة الكلمة الأولى؟
إن المؤسسات العمومية القوية لا تقوم على الغموض، وإنما على وضوح الاختصاصات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام التسلسل الإداري. لذلك، فإن توضيح هندسة اتخاذ القرار داخل الوكالة لم يعد ترفاً، بل ضرورة تفرضها قواعد الحكامة الجيدة، وصوناً لهيبة مؤسسة تضطلع بأدوار محورية في حماية الأمن العقاري وخدمة الاستثمار.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الرأي العام جوابه: من هو صاحب القرار الحقيقي داخل الوكالة؟ المدير العام الذي يتحمل المسؤولية القانونية أمام الدولة، أم الكاتب العام الذي تشير طريقة تدبير بعض الملفات إلى أنه يمسك بخيوط القرار اليومي؟