في الصحافة المهنية، لا تقاس أهمية الخبر بعدد الصفات المنمقة التي ترافقه، ولا بحجم عبارات المديح التي تزينه، وإنما بقيمته الإخبارية وأثره الحقيقي في الرأي العام. أما عندما يصبح الخبر مجرد مناسبة لإغراق القارئ بعبارات من قبيل “الحكامة الجيدة”، و”تحديث الإدارة”، و”تنزيل المخطط الاستراتيجي 2030″، و”تثمين الكفاءات”، فإن السؤال المشروع يصبح: هل نحن أمام عمل صحفي، أم أمام إعادة صياغة لبلاغ دعائي؟
هذا ما يثير الاستغراب في الطريقة التي تناولت بها بعض الجرائد الإلكترونية خبر تعيين مديرة لمديرية الخرائطية بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية. فقد بدا وكأن المؤسسة تعيش حدثا استثنائيا سيغير وجه الإدارة العمومية، في حين أن الأمر لا يعدو أن يكون تعيينا في منصب مسؤولية تم وفق المساطر القانونية المعمول بها.
والأغرب من ذلك أن بعض المقالات أوحت للقارئ بأن الوكالة تعيش لأول مرة تجربة قيادة امرأة لهذه المديرية، بينما الواقع يؤكد أن مديرية الخرائطية سبق أن تولت رئاستها امرأة، وهو ما يفقد هذا الادعاء قيمته ويطرح علامات استفهام حول مدى التحقق من المعطيات قبل نشرها.
ثم إن الوقائع لا تقف عند هذا الحد. فمنصب مدير الخرائطية لم يشهد، في الإعلان الأول عن المباراة، أي تنافس يذكر، قبل إعادة فتح باب الترشيحات، ليتقدم في النهاية تلاثة مرشحين فقط. فأين هو الحدث الاستثنائي الذي يستحق كل هذا الاحتفاء؟
والسؤال الأكثر إحراجا هو: لماذا تجاهلت هذه المنابر في اليوم نفسه تعيين مدير المحافظة العقارية، وهو منصب لا يقل أهمية، بل يعد من أكثر المناصب تأثيرا داخل الوكالة بحكم ارتباطه المباشر بخدمات المواطنين والاستثمار العقاري؟ أليس من حق القارئ أن يتساءل عن معيار اختيار الأخبار؟ ولماذا يتحول تعيين إلى “حدث وطني” بينما يمر تعيين آخر في صمت تام؟
إن الإعلام الحر لا ينتقي أخباره بمنطق الانتقائية، ولا يمنح حدثا حجما أكبر من حجمه الحقيقي. وإذا كانت بعض المنابر تستفيد من الإشهار المؤسساتي، فإن ذلك لا ينبغي أن يؤثر في استقلالية خطها التحريري، لأن الإشهار وسيلة لدعم الإعلام، وليس لإعادة ترتيب سلم الأولويات الإخبارية أو صناعة بطولات إدارية لا تستند إلى الوقائع.
إن المسؤول الحقيقي لا يحتاج إلى حملات تمجيد تسبق أداءه، بل يحتاج إلى الوقت ليبرهن على كفاءته من خلال النتائج. أما الإفراط في صناعة الصورة قبل الإنجاز، فإنه يسيء إلى المسؤول أكثر مما يخدمه، لأنه يرفع سقف التوقعات دون مبرر موضوعي.
إن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية تضم أطرًا وكفاءات عالية تستحق التقدير، رجالًا ونساءً، لكن تكريم الكفاءات لا يكون بالمبالغة الإعلامية، وإنما بضمان تكافؤ الفرص، والشفافية في التعيين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والاحتفاء بجميع التعيينات وفق معيار واحد لا يعرف الانتقائية.
ويبقى السؤال معلقا: هل كانت هذه التغطية تعبيرا عن اجتهاد صحفي مستقل، أم أنها نموذج جديد لتحويل خبر إداري عادي إلى حدث استثنائي؟ الجواب تملكه تلك المنابر، أما القارئ فله وحده حق الحكم.