حين تتحول دورات المجالس الجماعية إلى منصات استعراض… السياسة في مرآة العبث

كلما انعقدت دورة من دورات المجالس الجماعية، المنظمة بقوانين واضحة ومسطرة دقيقة، إلا وبرزت ممارسات دخيلة لا تمت للعمل الجماعي بصلة. ممارسات لا تُسيء فقط إلى هيبة المؤسسات المنتخبة، بل تكرّس صورة قاتمة عن العمل السياسي المحلي، وتعمّق هوة الثقة بين المواطن والمنتخب.
أصبح من المألوف، بل من المقلق، أن نشاهد بعض المستشارين الجماعيين، في خرق صريح للقانون ولأعراف التدبير، يعمدون إلى تصوير أشغال الدورات بهواتفهم الشخصية، ليس بدافع التوثيق المؤسساتي، بل بهدف استعراض التدخلات وتضخيم “البطولات الكلامية”، وكأن الدورة مسرح مفتوح لاجترار الشعارات الفارغة.
الخطير في هذا السلوك ليس فقط خرق المسطرة القانونية، بل تحويل النقاش العمومي إلى عرض موجّه للكاميرا، حيث لا يكون الخطاب موجهاً لرئيس المجلس أو لزملاء التدبير، بل للمتفرج الافتراضي، بحثاً عن تصفيق رقمي أو شعبوية رخيصة. وهنا تنتفي روح المسؤولية، ويُفرغ العمل الجماعي من جوهره: خدمة الصالح العام.
بعض هؤلاء المستشارين يظنون أن رفع الصوت، والتشكيك المجاني، والتقاط الفيديوهات داخل قاعة المجلس، كفيل بمنحهم صكّ “المعارضة الشرسة” أو “المنتخب الجريء”. والحقيقة أن المواطن لم يعد في دار غفلون. وعيُه اليوم أكبر من أن تنطلي عليه حيل “الضحك على الذقون”، وأدقّ من أن يُخدع باستعراض عضلات لفظية لا تترجم إلى قرارات ولا إلى إنجازات ميدانية.
العمل الجماعي ليس مسابقة في البلاغة، ولا ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لبناء شعبية افتراضية. هو مسؤولية قانونية وأخلاقية، تقتضي الاحترام، والانضباط، والاشتغال داخل المؤسسات لا فوقها أو على حسابها.
ولمن يعتقد أن هذه الممارسات تمرّ بلا كلفة، فليعلم أن الزمن الانتخابي لا ينسى. صيف 2027 ليس بعيداً. هناك، عند صناديق الاقتراع، سيقول الناخب كلمته بلا ضجيج ولا كاميرات. هناك فقط تُسجَّل الحقيقة: من اشتغل، ومن استعرض؛ من احترم المواطن، ومن استهزأ بوعيه.
لا تتسرع أيها المنتخب في استغلال اللحظة.
فالناخب في انتظارك…
وسيُحاسبك.
شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد