بنت الفشوش» والدرك الملكي.. حين تتحول عقلية الامتياز إلى تحدٍّ للقانون!

حين يتحول رفض الامتثال إلى دهس واعتداء على رجال الدرك الملكي والأمن الوطني، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد مخالفة لقانون السير، بل بسلوك خطير يمس سلامة الموظفين العموميين وهيبة المؤسسات وسيادة القانون.

تتوالى بين الفينة والأخرى حوادث خطيرة يكون ضحيتها رجال الدرك الملكي والأمن الوطني، أثناء قيامهم بواجبهم المهني في مراقبة الطرقات، وتنظيم حركة السير، وإيقاف المخالفين والمشتبه فيهم. والمقلق في بعض هذه الوقائع أن الأمر لم يعد يقتصر على رفض الامتثال لأوامر التوقف، بل يتطور إلى محاولة الفرار باستعمال السيارات، بل وإلى دهس عناصر الأمن والدرك وتعريض حياتهم لخطر حقيقي.

وواقعة تمارة الشاطئ، التي تفجرت فصولها بعد دهس دركي أثناء مزاولته لمهامه، وما أعقبها من توقيف المعنية بالأمر وإيداعها السجن بقرار من النيابة العامة، تعيد طرح سؤال جوهري: إلى متى سيظل رجال القانون عرضة لمثل هذه الاعتداءات، وهم الذين يواجهون يومياً مخاطر الميدان من أجل حماية أرواح المواطنين وضمان أمنهم؟

إننا أمام سلوك يستوجب التوقف عنده بجدية ومسؤولية، لأن السيارة التي يفترض أن تكون وسيلة للتنقل قد تتحول، عندما تستعمل عمداً ضد رجل أمن أو دركي، إلى أداة اعتداء بالغة الخطورة. ولا يمكن التعامل مع مثل هذه التصرفات باعتبارها مجرد نزاع عابر بين سائق وعنصر أمني.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي من النيابة العامة التصدي الحازم لهذه الظاهرة، والتعامل مع كل واقعة وفق خطورتها وملابساتها، وتفعيل المقتضيات القانونية الزجرية كلما ثبتت الأفعال المنسوبة إلى مرتكبيها، مع ترتيب المسؤوليات القانونية دون تمييز أو محاباة.

كما أن المطلوب هو تعزيز الحماية القانونية والميدانية لعناصر الدرك الملكي والأمن الوطني، وعدم التساهل مع كل سلوك يستهدف سلامتهم أثناء أداء واجبهم. فاحترام أوامر التوقف والامتثال للتعليمات القانونية ليس اختياراً شخصياً، وإنما التزام يفرضه القانون على الجميع.

ولا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن رجل الدرك أو الأمن الذي يقف في الطريق العام ليس في مواجهة شخصية مع السائق، بل يمارس اختصاصاً مخولاً له قانوناً. ومن يرفض الامتثال، ثم يلجأ إلى استعمال سيارته لدهس موظف عمومي، يضع نفسه أمام مساءلة قانونية تتناسب مع الأفعال التي تثبت في حقه.

إن بيتنا الآن تؤكد أن هيبة الدولة لا تُصان بالشعارات، وإنما بتطبيق القانون على الجميع، وحماية من يسهرون على تنفيذه. فلا امتياز للمال، ولا حصانة للنفوذ، ولا مكان لعقلية الاستعلاء على المؤسسات.

إن كرامة رجال الدرك الملكي والأمن الوطني من كرامة الوطن، وسلامتهم مسؤولية جماعية ومؤسساتية. وعلى النيابة العامة أن تتصدى لهذه الظاهرة بحزم، وأن يكون القانون واضحاً في رسالته: لا أحد فوق القانون، ولا يجوز أن يصبح أداء الواجب المهني سبباً في تعريض حياة حماة القانون للدهس والاعتداء.

شاهد أيضا

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد