الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية.. ستة تمديدات لكاتب عام واحد! أليس في المغرب أطر تستحق فرصة القيادة؟
حين يتحول التمديد إلى قاعدة، ويصبح التداول على المسؤولية استثناءً، فإن السؤال لم يعد يتعلق بالأشخاص، بل بمستقبل المؤسسات وحق الأجيال الجديدة في تحمل المسؤولية.
في مشهد أثار انتباه عدد من المستخدمين داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، تناول الكاتب العام للوكالة وجبة غذائه، يوم الاثنين 2 نونبر 2026، بمقصف المؤسسة، حيث لاحظ بعض الحاضرين، حسب إفادات متداولة، علامات إرهاق على المسؤول المذكور، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة سؤالاً مؤسساتياً أكبر من مجرد واقعة عابرة: إلى متى سيظل التمديد لبعض المسؤولين هو القاعدة، ولو بعد بلوغ سن التقاعد؟
فحسب المعطيات التي توصلت بها الجريدة، فإن الكاتب العام للوكالة، الذي بلغ 72 سنة، استفاد من ستة تمديدات، بمعدل سنتين لكل تمديد، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول معايير استمرار المسؤولين في مناصبهم، وحدود التمديد، ومدى احترام مبدأ التداول على المسؤولية وإفساح المجال أمام الكفاءات الشابة.
لسنا هنا بصدد إصدار أحكام على الحالة الصحية لأي مسؤول، ولا نعتبر ملاحظات عابرة لمستخدمين بديلاً عن التقييم الطبي أو الإداري المختص، ولكننا نطرح سؤالاً مشروعاً: هل أصبح التمديد في بعض المؤسسات العمومية حقاً مكتسباً، أم أنه إجراء استثنائي تفرضه ضرورة المصلحة العامة، وتبرره الكفاءة والنتائج وحاجة المؤسسة؟
إن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية ليست مؤسسة هامشية، بل مرفق عمومي استراتيجي، يتطلب تدبيره نفساً إدارياً متجدداً، وقدرة على مواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية، والرفع من جودة الخدمات، وتسريع معالجة الملفات، وتحسين ظروف اشتغال آلاف المستخدمين والأطر.
ومن هنا، فإن استمرار المسؤول نفسه في منصب حساس لسنوات طويلة، مع توالي التمديدات، يفرض فتح نقاش مؤسساتي مسؤول حول حصيلة التدبير، ومدى الحاجة الفعلية إلى استمرار هذا الاختيار، ومدى توفر بدائل مؤهلة من داخل المؤسسة نفسها.
وهنا نتوجه بالسؤال إلى السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة ورئيسة المجلس الإداري للوكالة: هل حان الوقت لإعادة النظر في سياسة التمديد، ووضع حد لمنطق الاستمرار المفتوح في المناصب العليا؟
كما نتساءل عن موقف السيد خالد الحاتمي، وزير الفلاحة والصيد البحري والسياسة الغذائية، باعتباره الوزير الوصي، وعن الإجراءات التي يمكن اتخاذها لضمان تقييم موضوعي لحاجيات الوكالة، وفتح المجال أمام الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية.
إن الإشكال ليس في سن المسؤول وحده، ولا في عدد السنوات التي قضاها في منصبه، وإنما في غياب التداول الواضح، واحتمال تحول التمديد الاستثنائي إلى ممارسة متكررة، بما قد يحد من فرص الأطر الأخرى في إثبات كفاءتها وقيادة المؤسسة.
فهل يعقل أن تزخر مؤسسة بحجم الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية بالمهندسين والأطر الإدارية والتقنية والكفاءات الشابة، ثم يظل أفق الترقي وتحمل المسؤولية رهيناً باستمرار الوجوه نفسها؟
إن تجديد النخب الإدارية ليس إهانة للمسؤولين الذين قضوا سنوات في خدمة المرفق العمومي، كما أن احترام الخبرة والتجربة لا يعني إغلاق أبواب المسؤولية أمام الأجيال الجديدة. فالمؤسسات لا تبنى بالأشخاص وحدهم، وإنما باستمرارية المرفق، وتداول المسؤولية، وربط التمديد بالحاجة والنتائج والمصلحة العامة.
إن التمديد ليس صكاً على بياض، والمنصب العمومي ليس ملكية خاصة، والتقاعد ليس عقوبة، بل محطة طبيعية لانتقال المسؤولية وإفساح المجال أمام كفواليوم، تجد رئاسة الحكومة والوزارة الوصية نفسيهما أمام سؤال مؤسساتي يستحق جواباً واضحاً: هل ستتم مراجعة سياسة التمديد المتكرر، وفتح باب التنافس أمام أطر الوكالة المؤهلة، أم سيستمر منطق التمديد إلى أجل غير مسمى؟
إن بيتنا الآن تفتح هذا النقاش من منطلق الدفاع عن الحكامة الجيدة، وحق المستخدمين في تكافؤ الفرص، وحق المؤسسة في تجديد دمائها، لأن المغرب لا يمكن أن يبني إدارة المستقبل بعقلية احتكار المناصب، مهما كانت أسماء شاغليها.
فالوكالة أكبر من أي مسؤول، والمناصب مسؤولية مؤقتة وليست امتيازاً أبدياً، ومن حق الأطر الشابة أن تجد طريقها إلى القيادة، ومن واجب المسؤولين أن يتركوا المؤسسات قوية وقادرة على الاستمرار بعد مغادرتهلسنا أمام اعتراض على شخص، ولا انتقاص من تجربة مسؤول قضى سنوات في خدمة الإدارة، بل أمام دفاع عن حق مؤسسة عمومية في التجديد، وحق أطرها في تكافؤ الفرص، وحق المال العام في إدارة تقوم على الكفاءة والنجاعة. ستة تمديدات، وبلوغ 72 سنة، أسئلة لا يمكن أن تبقى معلقة إلى ما لا نهاية.
إن السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها رئيسة الحكومة ورئيسة المجلس الإداري للوكالة، والسيد الوزير الوصي، مطالبان بفتح هذا الملف مؤسساتياً، وتقييم مبررات استمرار التمديد، وإعطاء الفرصة للكفاءات الشابة. فالمناصب العمومية ليست إرثاً، والمؤسسات لا ينبغي أن تتحول إلى فضاءات مغلقة أمام التغييرات جديدة.