الوداد بين حكمة التسيير وفوضى المدرجات: هل تُدار الأندية الكبرى بالعاطفة؟

لم تكن الأندية الكبرى في تاريخ كرة القدم تُدار يوماً بمنطق الانفعال أو بردود الفعل السريعة. فالمؤسسات الرياضية العريقة تُبنى على الرؤية والاستمرارية، لا على إرضاء المزاج اللحظي للمدرجات. غير أن ما يعيشه اليوم نادي الوداد الرياضي يكشف مرة أخرى عن أحد أعطاب الكرة المغربية: حين تتحول الجماهير من قوة دعم إلى قوة ضغط تملي قراراتها على الإدارات.

لا أحد يجادل في أن جماهير الوداد الرياضي تعد من أكثر الجماهير وفاءً وحماسة في المغرب وإفريقيا، وهي التي صنعت مع الفريق أمجاداً كروية وملأت مدرجات الملاعب بروح الانتماء. لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن عشق الفريق لا يمنح بالضرورة حق إدارة شؤونه التقنية. فالتسيير الرياضي ليس شعاراً يرفع في المدرجات، بل علم وخبرة وتقدير للظروف الموضوعية التي يعيشها الفريق.

وإذا نظرنا بقدر من الموضوعية إلى ترتيب الدوري في البطولة الوطنية الاحترافية المغربية سنجد أن الوداد الرياضي يقف على مسافة نقطة واحدة فقط من غريمه التاريخي الرجاء الرياضي، مع توفره على مباريات ناقصة قد تعيد ترتيب الأوراق بالكامل وتضعه في صدارة الترتيب. أي أن الفريق، بلغة الأرقام لا العواطف، ما يزال في قلب المنافسة على اللقب.

ومع ذلك ترتفع الأصوات المطالبة بإقالة المدرب محمد أمين بنهاشم، وكأن الفريق يقبع في أسفل الترتيب أو يعيش موسماً كارثياً. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل أصبح من الطبيعي أن تُقاس كفاءة المدربين في الكرة المغربية بميزان غضب الجماهير لا بميزان النتائج؟

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأندية الكبرى هو تحويل المدرجات إلى مركز القرار. فحين تستجيب الإدارات لكل موجة غضب، يتحول النادي إلى سفينة بلا بوصلة، يتغير مدربوها كل بضعة أشهر، ويضيع معها أي مشروع رياضي جاد. والتاريخ القريب للكرة المغربية مليء بالأمثلة التي تؤكد أن كثرة الإقالات ليست دليلاً على الصرامة، بل علامة على غياب الرؤية.

الوداد ليس فريقاً عادياً حتى يُدار بمنطق رد الفعل. إنه مؤسسة رياضية لها وزنها التاريخي في المغرب وإفريقيا، إلى جانب غريميه التقليديين الرجاء الرياضي والجيش الملكي. وهذه المؤسسات لا يمكن أن تحافظ على مكانتها إذا بقيت قراراتها رهينة لضغط اللحظة أو مزاج مواقع التواصل الاجتماعي.

إن الحكمة تقتضي اليوم من إدارة الوداد الرياضي أن تميز بين النقد المشروع والفوضى التي قد تهدم الاستقرار التقني للفريق. فالموسم ما يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات، واللقب لم يُحسم بعد، وأي قرار متسرع قد يدفع الفريق إلى أزمة هو في غنى عنها.

في كرة القدم، كما في كل المؤسسات الكبرى، ليس المطلوب إرضاء الجميع، بل اتخاذ القرار الصائب. والتاريخ علمنا أن الأندية التي تحمي مشروعها الرياضي من ضغط اللحظة هي وحدها التي تصنع أمجاد المستقبل.

أما الأندية التي تترك قراراتها في يد العاطفة… فغالباً ما تجد نفسها تدور في الحلقة نفسها من الأزمات.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد