إغلاق هرمز… الخطأ الاستراتيجي الذي قد يعزل إيران دولياً

يكتبها حسن الخلقي: مدير المسؤول عن جريدة بيتنا الآن ، ديبلوم الدراسات العليا في الإعلام والإتصال

في لحظات التوتر والحروب، لا تكون الأخطاء العسكرية دائماً في ميدان القتال فقط، بل قد تكون في القرارات الاستراتيجية التي تعيد تشكيل مواقف العالم بأسره. وهذا ما يبدو أن إيران وقعت فيه حين صعّدت مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتخذت خطوات قد تتحول إلى عبء سياسي ودبلوماسي عليها أمام المجتمع الدولي.

فأكبر خطأ استراتيجي ارتكبته القيادة الإيرانية في هذا التصعيد يمكن اختصاره في نقطتين أساسيتين، قد تتحولان إلى عامل ضغط دولي غير مسبوق عليها.

أولاً: توسيع رقعة الصراع وتهديد سيادة دول الخليج

لقد أدى انزلاق المواجهة إلى تهديد المجال الأمني لدول الخليج إلى توسيع دائرة الأزمة بشكل خطير. فحين تنتقل الحرب من صراع مباشر بين أطراف محددة إلى تهديد استقرار منطقة بأكملها، فإن ذلك يدفع المجتمع الدولي إلى الاصطفاف دفاعاً عن أمن الممرات الحيوية واستقرار أسواق الطاقة.

وهذا ما يفسر أن أي تصعيد يطال المجال الحيوي لدول الخليج لا يُنظر إليه كخلاف إقليمي فقط، بل كتهديد مباشر للنظام الاقتصادي العالمي، خصوصاً أن منطقة الخليج تمثل أحد أهم مراكز الطاقة في العالم.

ثانياً: إغلاق مضيق هرمز… القرار الذي أغضب القوى الصناعية الكبرى

الخطوة الأكثر إثارة للجدل تمثلت في قرار إغلاق مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج نحو الأسواق الدولية.

هذا القرار لم يثر غضب الولايات المتحدة أو حلفائها فقط، بل وضع إيران في مواجهة مباشرة مع القوى الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها الصين التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة القادمة من الخليج. فإغلاق هذا الشريان البحري يهدد بشكل مباشر أمن الطاقة العالمي، ويضرب في العمق مصالح الدول الصناعية الكبرى.

ومن هنا يصبح السؤال مطروحاً: هل يمكن أن تقف الصين موقف المتفرج إذا استمر تعطيل هذا الممر الحيوي؟ أم أنها ستضغط بكل ثقلها السياسي والاقتصادي من أجل إعادة فتحه، حتى لو كان ذلك عبر تنسيق دولي واسع لحماية الملاحة فيه؟

ترامب واستغلال الفرصة الاستراتيجية

في خضم هذا التصعيد، وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرصة لتعزيز الضغط على إيران، خصوصاً مع الحديث عن السيطرة على جزيرة خرج، التي تُعد الرئة الاقتصادية الأساسية لصادرات النفط الإيرانية.

فجزيرة خرج ليست مجرد موقع جغرافي، بل هي الشريان الرئيسي الذي تمر عبره غالبية الصادرات النفطية الإيرانية نحو الأسواق العالمية، ما يجعل أي تحرك عسكري حولها بمثابة ضغط مباشر على الاقتصاد الإيراني.

المستفيد الأكبر: موسكو

وفي خضم هذه الفوضى الجيوسياسية، قد يظهر مستفيد غير مباشر من الأزمة، وهو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

فإذا تعطلت صادرات الطاقة القادمة من الخليج، فإن الدول الأوروبية والصناعية قد تجد نفسها مضطرة للبحث عن بدائل سريعة، وهو ما قد يعيد النفط والغاز الروسي إلى واجهة الأسواق الدولية رغم العقوبات الغربية المفروضة على روسيا بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.

وبذلك قد تتحول الأزمة إلى مفارقة سياسية: فبينما يسعى الغرب لعزل موسكو اقتصادياً، قد يجد نفسه مضطراً للعودة إلى مصادر الطاقة الروسية بسبب اضطراب الإمدادات في الخليج.

حسابات خاطئة أم مغامرة محسوبة؟

يبقى السؤال الجوهري:

هل أخطأت القيادة الإيرانية في تقدير عواقب هذه الخطوات؟

فإغلاق مضيق استراتيجي بحجم مضيق هرمز لا يضع إيران في مواجهة خصومها الإقليميين فقط، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع النظام الاقتصادي العالمي بأسره.

والتاريخ الجيوسياسي يعلمنا أن الدول الكبرى قد تختلف فيما بينها حول الكثير من الملفات، لكنها تتفق سريعاً عندما يتعلق الأمر بحرية الملاحة وأمن الطاقة العالمي.

ولهذا فإن مستقبل هذه الأزمة سيتوقف إلى حد كبير على خيارين لا ثالث لهما:

إما أن تعود إيران إلى منطق التهدئة وفتح الممرات البحرية الحيوية، أو أن تتسع دائرة الضغوط الدولية عليها بشكل قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة بأسرها.

وفي كلتا الحالتين، يبقى المؤكد أن قرار إغلاق مضيق هرمز قد يكون واحداً من أكثر القرارات الاستراتيجية تكلفة في تاريخ الصراعات الحديثة في الشرق الأوسط.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد