حين تصدر وزارة العدل دورية تذكّر موظفي كتابة الضبط بواجبهم في كتمان السر المهني، فالأمر لا يتعلق بتعليمات إدارية عابرة، ولا بتوجيه يمكن التعامل معه بمنطق «التعميمات التي تحفظ في الرفوف»، وإنما يتعلق بجوهر من جواهر العدالة: حماية سرية الملفات والمعطيات، وصيانة حقوق المتقاضين، وحفظ هيبة المرفق القضائي وثقة المواطن في القضاء.
فقد أصدر وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الدورية رقم 10 س1/4 بتاريخ فاتح شتنبر2026، الموجهة إلى المديرين الإقليميين للعدل ورؤساء كتابة الضبط ورؤساء كتابة النيابة العامة بمحاكم المملكة، بشأن التزام الموظفين بكتمان السر المهني.
والأهم أن الدورية تعيد الموظف إلى أصل المسألة: القسم الذي أدّاه عند توليه مهامه.
فالمادة الرابعة المتعلقة بالنظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط تحدد صيغة أداء القسم، ومن بين مقتضياتها الالتزام بأن يقوم الموظف بمهامه «بوفاء وإخلاص، وأن يحافظ على السر المهني»، وأن يسلك في ذلك مسلك الموظف النزيه.
وهنا يجب أن نتوقف.

ماذا يعني السر المهني داخل وزارة العدل؟
يعني أن الموظف الذي تمر بين يديه ملفات القضايا، ومحاضر الجلسات، والمعطيات المتعلقة بالمتقاضين، والوثائق القضائية، والمراسلات، والمعطيات التي قد تكون لها علاقة بالبحث أو التحقيق أو التنفيذ أو النزاعات الأسرية والمدنية والجنائية، لا يتعامل معها باعتبارها أوراقاً إدارية عادية، وإنما باعتبارها أمانة اؤتمن عليها بحكم الوظيفة والقانون والقسم.
فالسر المهني ليس ملكاً للموظف حتى يتصرف فيه كما يشاء، وليس مادة للتداول في المقاهي أو المجالس الخاصة، وليس وسيلة لإرضاء صديق أو قريب أو مسؤول أو طرف في قضية.
السر المهني يعني أن ما اؤتمن عليه الموظف بحكم وظيفته يبقى داخل الإطار الذي حدده القانون، ولا يتحول إلى معلومة متاحة لكل من يسأل عنها.
والخطورة كل الخطورة تبدأ عندما تتحول المعلومة القضائية إلى سلعة.
معلومة تُسرّب هنا، ووثيقة تُرسل هناك، وملف يُكشف مضمونه قبل أوانه، ومعطيات شخصية تنتقل من هاتف إلى هاتف، فيجد المواطن نفسه أمام وضع خطير: هل ما يقوله للقضاء ويودعه لدى المحكمة سيبقى في مأمن، أم يمكن أن يتحول إلى حديث متداول خارج أسوار المحكمة؟
هنا تحديداً تظهر أهمية دورية وزير العدل.
إنها تذكير بأن الثقة في العدالة لا تُبنى بالأحكام وحدها، وإنما تُبنى أيضاً بسلوك كل موظف يساهم في صناعة المرفق القضائي.
وإذا كان القاضي مطالباً بالتجرد والاستقلال والنزاهة، فإن موظف كتابة الضبط بدوره يتحمل مسؤولية لا تقل أهمية في حماية المسار القضائي، لأنه يوجد في قلب الدورة اليومية للملفات والوثائق والإجراءات والمعطيات.
ومن الخطأ الاعتقاد بأن إفشاء السر المهني لا يصبح خطيراً إلا عندما يتعلق بملف جنائي كبير أو قضية تحظى باهتمام الرأي العام.
حتى المعلومة البسيطة قد تكون لها آثار خطيرة على صاحبها.
ملف أسري، قضية طلاق، نزاع حول الإرث، شكاية، وضعية اجتماعية، معطيات شخصية، عنوان أو رقم هاتف، مضمون وثيقة، أو حتى مجرد معلومة عن مسار ملف قضائي… كلها أمور قد تكون ذات حساسية بالغة بالنسبة إلى أصحابها.
ولهذا فإن الموظف الذي يؤدي قسمه لا يقسم فقط أمام زملائه ورؤسائه، وإنما يضع نفسه أمام مسؤولية أخلاقية ومهنية وقانونية.
القسم ليس كلمات تُردد في بداية المسار الوظيفي ثم تُنسى.
القسم عهد.
و«الوفاء والإخلاص» ليسا عبارة للزينة، كما أن «الحفاظ على السر المهني» ليس جملة بروتوكولية.
إنه التزام مستمر، يبدأ من أول يوم في الوظيفة ولا ينتهي بانتهاء ساعات العمل.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط تذكير الموظفين بالدورية، وإنما ترسيخ ثقافة السر المهني داخل المحاكم، من خلال التكوين المستمر، والتوعية بمخاطر تداول الوثائق والمعطيات خارج القنوات القانونية، وتشديد الانتباه إلى التعامل مع الوسائط الرقمية والهواتف وتطبيقات التواصل، لأن التكنولوجيا جعلت تسريب وثيقة واحدة أمراً يمكن أن يتم في ثوانٍ، بينما قد تحتاج معالجة آثاره إلى سنوات.
ولا يعني التشديد على السر المهني إغلاق أبواب المحاكم أمام الصحافة أو المجتمع، ولا يعني منع الحق في الحصول على المعلومات التي يتيحها القانون.
بل يعني ببساطة أن هناك فرقاً واضحاً بين الحق في المعلومة وبين إفشاء معطيات أو أسرار يحظر القانون كشفها.
إن احترام هذا التوازن هو الذي يجعل المرفق القضائي قوياً، ويجعل الشفافية قانونية ومسؤولة، ويحمي في الوقت نفسه حقوق الأفراد وحرمة حياتهم الخاصة وسلامة الإجراءات القضائية.
وفي النهاية، فإن رسالة الدورية واضحة:
من يحمل مفاتيح ملفات المواطنين، يحمل معها أمانة ثقيلة.
ومن أدى القسم على النزاهة والإخلاص وكتمان السر المهني، عليه أن يتذكر دائماً أن الموظف النزيه لا يُقاس فقط بما يفعله أمام رئيسه، وإنما بما يرفض أن يفعله عندما لا يراقبه أحد.
فالمحكمة بيت العدالة، وكتابة الضبط إحدى ركائز هذا البيت.
والسر المهني ليس جداراً لحماية الأسرار من القانون، بل حصنٌ لحماية القانون من العبث، وحماية المواطن من أن تتحول معطياته الخاصة إلى مادة للتداول والاستغلال.
ومن هنا، فإن احترام قسم كتابة الضبط ليس خياراً ولا مجاملة، بل واجب مهني وأخلاقي وقانوني، وعنوان لنزاهة الموظف وهيبة العدالة.
بيتنا الآن
الخبر مقدس والتعليق حر