لم تعد الخرائطية في القرن الحادي والعشرين مجرد عملية تقنية لرسم الخرائط وتحديد المواقع، بل أصبحت أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدول، وعصب التخطيط العمومي، وأساس بناء السياسات التنموية، وأداة لا غنى عنها في حماية المجال الترابي، وتدبير الموارد الطبيعية، ومواكبة المشاريع الكبرى، وتعزيز الأمن الاقتصادي والبيئي والغذائي.
لقد دخل المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مرحلة جديدة عنوانها التحول الرقمي، وتحديث الإدارة، وبناء اقتصاد المعرفة، وهي مرحلة لا يمكن أن تنجح دون منظومة وطنية قوية للمعلومات الجغرافية والفضائية، قادرة على إنتاج معطيات دقيقة، وتحيينها باستمرار، ووضعها رهن إشارة صناع القرار والفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات العمومية.
ومن بين المؤسسات التي تتحمل هذه المسؤولية الوطنية، تبرز الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية باعتبارها مؤسسة سيادية تضطلع بأدوار تتجاوز المحافظة العقارية إلى إنتاج المعرفة الجغرافية، وتطوير البنية الوطنية للمعلومات المترية والخرائطية، والمساهمة في تحقيق الأمن المجالي للمملكة.
ولذلك، فإن المخطط الاستراتيجي للوكالة في أفق سنة 2030 لا يمثل برنامجا إداريا عاديا، بل يعكس رؤية متكاملة لبناء منظومة حديثة تعتمد الرقمنة الشاملة، والذكاء الجغرافي، والبيانات الفضائية، وأنظمة المعلومات الجغرافية، والاستشعار عن بعد، وتقنيات التصوير الجوي، بما يجعل المعلومة الجغرافية رافعة للتنمية ومرجعا لاتخاذ القرار.
إن رقمنة ملايين المعطيات الخرائطية والمترية، وتحديث قواعد البيانات الجغرافية، وربطها بمنصات رقمية حديثة، يشكل نقلة نوعية في مسار الإدارة المغربية، لأنه يوفر معلومات دقيقة وموثوقة في الزمن المناسب، ويختصر آجال الإنجاز، ويرفع من جودة الخدمات، ويعزز الثقة في المؤسسات.
ولا يخفى أن الخرائطية الحديثة أصبحت اليوم ركيزة أساسية في إنجاز مشاريع البنيات التحتية، وتخطيط المدن، وحماية الملك العام، وتدبير المياه والغابات والأراضي الفلاحية، وتأمين الاستثمار، والاستعداد لمواجهة المخاطر الطبيعية، فضلا عن مساهمتها في دعم السياسات العمومية المرتبطة بالانتقال الطاقي والتنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، تبدو الجهود التي يقودها المدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، كريم تجموعتي، جديرة بالتقدير، لما اتسمت به من رؤية تقوم على تحديث المؤسسة، وتسريع وتيرة الرقمنة، وتطوير الرأسمال البشري، والانفتاح على أحدث التكنولوجيات، بما يعزز مكانة الوكالة داخل المنظومة الإدارية الوطنية.
كما يبرز ضمن هذه الرؤية منح الثقة لكفاءات وطنية مؤهلة لتولي المسؤوليات، ومن بينها القيادة النسائية التي تشرف على مديرية الخرائطية، والتي راكمت خبرة وتجربة مهنية أهلتها لتدبير هذا المرفق الاستراتيجي بكفاءة، ومواصلة تحديث آليات الإنتاج الخرائطي، وتجويد الخدمات، وتعزيز التعاون مع مختلف الشركاء والمرتفقين.
إن نجاح المؤسسات لا يصنعه الأشخاص وحدهم، وإنما تصنعه الرؤية الواضحة، والكفاءات المؤهلة، والعمل الجماعي، والاستثمار في التكنولوجيا. وما تشهده مديرية الخرائطية اليوم يعكس هذا التوجه، حيث أصبح التحديث خيارا مؤسساتيا، والابتكار ثقافة عمل، والجودة معيارا في الأداء.
ومع اقتراب سنة 2030، يظل الرهان الأكبر هو ترسيخ موقع المغرب كدولة رائدة في مجال إنتاج وتدبير المعلومة الجغرافية والفضائية، ليس فقط على المستوى الوطني، بل أيضا على المستويين الإفريقي والمتوسطي، مستفيدا من خبراته المتراكمة ومن كفاءاته البشرية ومن استثماراته في التكنولوجيا.
إن المستقبل سيكون للدول التي تمتلك المعلومة الدقيقة، وتحسن استثمارها، وتوظفها في خدمة التنمية والسيادة. وفي هذا الرهان، تبدو الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية واحدة من أهم المؤسسات التي ترسم، بصمت وكفاءة، ملامح مغرب المستقبل، وتؤسس لمنظومة وطنية تجعل من المعلومة الجغرافية ثروة استراتيجية في خدمة الوطن والمواطن.