“الخالدون في العمالات… حين تتحول الإدارة الترابية إلى جزر نفوذ خارج الزمن”

في الوقت الذي يسير فيه المغرب بخطى ثابتة نحو ترسيخ دولة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، تبرز داخل بعض مفاصل الإدارة الترابية ظواهر مقلقة تعاكس هذا المسار، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى الإصلاحات المعلنة.

إنها ظاهرة “الخالدين في المناصب”، أولئك الذين عمروا طويلاً داخل كراسي المسؤولية بالعمالات والأقاليم، حتى أصبحوا جزءًا من المشهد الثابت الذي لا يتغير، رغم تعاقب الولاة والعمال، وتبدل التوجيهات والبرامج.

فكيف يُعقل أن تتغير القيادات الترابية، بينما تبقى نفس الأسماء متحكمة في دواليب حساسة، لسنوات تجاوزت في بعض الحالات عقدًا من الزمن؟ وأي منطق إداري يسمح باستمرار هذا الجمود في مواقع يفترض فيها التداول والنجاعة والشفافية؟

الحديث هنا ليس عن موظفين عاديين، بل عن رؤساء دواوين، ورؤساء أقسام التعمير، والشؤون الاقتصادية، والشؤون الاجتماعية، والشؤون القروية، وقسم الجماعات المحلية… وهي أقسام تشكل العمود الفقري للتدبير الترابي، وتمسك بمفاتيح القرار اليومي الذي يهم الاستثمار، والتخطيط العمراني، والدعم الاجتماعي، وتنمية العالم القروي.

إن طول البقاء في هذه المواقع الحساسة لا يمر دون آثار. إذ تتشكل مع مرور الوقت شبكات من العلاقات المتداخلة، تتقاطع فيها المصالح مع بعض المنتخبين أو الفاعلين الاقتصاديين، مما يفتح الباب أمام ممارسات ملتبسة، ويُضعف ثقة المواطن في حياد الإدارة ونزاهتها.

بل الأخطر من ذلك، أن بعض هذه الأسماء راكمت نفوذًا غير رسمي، جعلها في مواقع تأثير قد تتجاوز في بعض الأحيان سلطة الوالي أو العامل نفسه، وهو ما يضرب في العمق مبدأ تسلسل المسؤوليات، ويخلق نوعًا من “السلطة الموازية” داخل الإدارة.

إن وزارة الداخلية، بقيادة عبد الوافي لفتيت، المعروفة بحزمها وصرامتها في تدبير الشأن الترابي، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بفتح هذا الملف بشجاعة ومسؤولية. فالإصلاح الحقيقي لا يكتمل بتغيير الولاة والعمال فقط، بل يمر حتمًا عبر إعادة ترتيب البيت الداخلي، وضخ دماء جديدة في مفاصل الإدارة الوسطى.

إن الحركية الإدارية لم تعد خيارًا، بل ضرورة ملحة لقطع الطريق أمام ترسخ النفوذ، وتجفيف منابع الزبونية، وإعادة الاعتبار للكفاءة والاستحقاق. كما أن تفعيل آليات التفتيش والمراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يجب أن يشمل الجميع دون استثناء، مهما طال بهم المقام في مناصبهم.

لقد آن الأوان لطي صفحة “المناصب الأبدية”، وفتح عهد جديد قوامه التداول والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فمغرب اليوم، مغرب الطموح والإقلاع، لا يمكن أن يُدار بعقليات الأمس، ولا بأشخاص اعتادوا البقاء أكثر مما ينبغي.

إن الرهان اليوم ليس فقط في تغيير الوجوه، بل في تغيير الثقافة الإدارية، حتى تستعيد الإدارة الترابية دورها الحقيقي كرافعة للتنمية، لا كحقل مغلق لتراكم النفوذ والعلاقات.

فهل نشهد قريبًا زلزالًا إداريًا يعيد الأمور إلى نصابها؟ أم أن “الخالدين” سيواصلون البقاء… إلى أجل غير مسمى؟

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد