الجزائر بين ثروة الطاقة وأزمة المعيشة: مفارقة الدولة الغنية والمواطن الفقير
تعيش الجزائر، إحدى أكبر الدول الإفريقية من حيث المساحة، على وقع مفارقة صارخة: بلد غني بالثروات الطبيعية، خاصة النفط والغاز، يقابله واقع معيشي صعب يواجهه المواطن يوميًا. فبالرغم من أن الجزائر تُعد من كبار مصدّري الغاز في العالم، حيث تنتج ما يقارب 100 مليار متر مكعب سنويًا، وتُشكّل المحروقات أكثر من 90% من عائدات التصدير، إلا أن هذه الثروة لم تنعكس بالشكل المطلوب على مستوى معيشة المواطنين.
في السنوات الأخيرة، تكررت مشاهد الطوابير الطويلة أمام المتاجر ونقاط البيع، خاصة للحصول على مواد أساسية مثل الزيت والحليب. وهي أزمة تعود جذورها إلى اختلالات في منظومة التوزيع، إلى جانب اعتماد مفرط على الواردات في بعض القطاعات الغذائية، رغم الإمكانيات الزراعية المتاحة.
اقتصاديًا، يعاني البلد من هشاشة مرتبطة بتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية. فعندما تنخفض الأسعار، تتراجع مداخيل الدولة بشكل كبير، ما ينعكس على الإنفاق العمومي والاستثمارات. ورغم محاولات تنويع الاقتصاد، لا تزال مساهمة القطاعات غير النفطية محدودة، وهو ما يطرح إشكالًا بنيويًا في النموذج الاقتصادي.
أما على مستوى البنيات التحتية، فقد شهدت الجزائر بالفعل إنجازات مهمة، مثل الطريق السيار شرق-غرب الذي يمتد على أكثر من 1200 كيلومتر، وبعض مشاريع السكن الكبرى. غير أن هذه المشاريع لا تخفي استمرار التفاوتات المجالية وضعف الربط في بعض المناطق، إضافة إلى بطء تطوير شبكة السكك الحديدية مقارنة بحجم البلاد.
اجتماعيًا، تشير تقديرات غير رسمية إلى ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، حيث تتجاوز في بعض التقديرات 20%. كما يواجه الاقتصاد غير الرسمي تحديات كبيرة، مما يحد من فعالية السياسات العمومية في ضبط السوق وتحقيق العدالة الاجتماعية.
سياسيًا، يربط العديد من المحللين هذه الاختلالات بطبيعة النظام الذي ظل لعقود يعتمد بشكل كبير على الريع الطاقي، مع حضور قوي للمؤسسة العسكرية في المشهد العام. هذا النموذج، وإن وفّر نوعًا من الاستقرار، إلا أنه لم ينجح في بناء اقتصاد متنوع قادر على الصمود أمام الأزمات.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الجزائر اليوم لا يكمن في نقص الموارد، بل في كيفية تدبيرها وتوجيهها نحو تنمية شاملة ومستدامة. فالثروات الطبيعية يمكن أن تكون نعمة كما يمكن أن تتحول إلى نقمة، إذا لم تُصاحبها حكامة رشيدة ورؤية استراتيجية واضحة.
في المحصلة، تبقى الجزائر أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في نموذج اقتصادي ريعي محدود الأفق، أو الانخراط في إصلاحات عميقة تضع المواطن في صلب التنمية، وتحوّل الثروة إلى رفاه حقيقي يشعر به الجميع.