ما آل إليه حزب التجمع الوطني للأحرار اليوم ليس وليد الصدفة، ولا نتيجة ظرف سياسي عابر، بل هو حصيلة اختيارات قاتلة، وقراءات خاطئة، وأيدٍ خفية ظنت أن الحزب يمكن أن يُدار بمنطق “التحكم الهادئ” دون كلفة. ما وقع داخل الحزب أقرب إلى انقلاب ناعم، أُنجز تحت غطاء “التجديد” و“الانتقال الديمقراطي”، لكنه في العمق تصفية حسابات داخلية وإعادة توزيع للنفوذ.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: من أفتى لعزيز أخنوش بعدم الترشح؟
وأي عقل سياسي أقنعه بأن الانسحاب، وهو الذي كان بإمكانه الترشح قانونياً وسياسياً، هو الخيار الأسلم؟ ثم من أفتى عليه باختيار “الشوكي” ليخلفه؟ هل كان القرار نابعا من قناعة ذاتية أم نتيجة هندسة مسبقة؟
كل الأصابع، دون مواربة، تشير إلى ابن تطوان. الرجل الذي يشتغل في الظل، ويتقن فن الإخراج من وراء الستار، ويعتقد أن التحكم في الخيوط يكفي لضمان النهاية السعيدة. لكنه نسي – أو تناسى – أن الأحزاب ليست شركات خاصة، وأن التاريخ السياسي لا يرحم من يظن نفسه أذكى من الجميع.
ما جرى لم يكن انتقالاً سلساً للقيادة، بل تفريغاً تدريجياً للحزب من روحه، وإقصاءً للحرس القديم، وقطعاً مع التوازنات التي كانت، رغم كل الانتقادات، تحمي الحزب من الانفجار. والنتيجة؟ حزب مرتبك، قواعد غاضبة، وقيادة تفتقد للشرعية الرمزية قبل السياسية.
ولنهمس – فقط همساً – في أذن الانقلابي:
الحرس القديم لن يتركك تتجول طويلاً.
المنطق نفسه الذي استُعمل لإزاحة الآخرين سيُستعمل ضدك. والرقم المقبل في لائحة الإزاحة… هو أنت. وعندما يحين الوقت، ستُفتح الملفات، وتُستحضر الوقائع، وسينقلب السحر على الساحر.
لقد انتهت المسرحية.
انتهى العرض الذي كان مؤلفه، وصاحب السيناريو، وصانع الإحباط هو ابن تطوان. وما بعد النهاية ليس تصفيقاً، بل حساباً عسيراً داخل حزب لم يعد يتحمل مزيداً من العبث.
التجمع الوطني للأحرار اليوم أمام مفترق طرق:
إما مراجعة شجاعة تعيد الاعتبار للسياسة،
وإما استمرار الانقلاب الصامت… إلى أن ينهار السقف على رؤوس الجميع.
تفضل خاتمة تحذيرية قوية ومباشرة، تُضاف في نهاية المقال وتخاطب الانقلابي ومديره “ابن تطوان” بلهجة سياسية صارمة دون تجاوز الخطوط القانونية
إلى الانقلابي، وإلى مديره الذي يعتقد أن الظل يحميه إلى الأبد:
لا أحد في السياسة يربح معركة إقصاء دون أن يدفع الثمن لاحقاً. قد تنجحون مرحلياً في إعادة ترتيب الواجهة، وقد تُسكتون الأصوات لبعض الوقت، لكن الحزب ليس ملكية خاصة، والذاكرة السياسية لا تُمحى بالبلاغات ولا بالتعيينات.
تذكروا جيداً:
من صعد بالانقلاب يُسقطه انقلاب آخر.
ومن فتح باب الإزاحة سيُزاح به.
ومن اعتقد أن التحكم الدائم ممكن، لم يفهم شيئاً في منطق السلطة ولا في طبيعة الأحزاب.
أما أنت، يا ابن تطوان، فاعلم أن اللعب في الكواليس لا يعفي من الحساب في العلن. الأدوار تنتهي، والستار لا يبقى مرفوعاً إلى الأبد، وحين تُطفأ الأضواء، لن يبقى معك لا السيناريو ولا الممثلون. سيبقى فقط السؤال الكبير: ماذا ربحت غير حزب مُنهك، وقيادة مطعون في شرعيتها، وقواعد تنتظر لحظة الرد؟
هذه ليست نصيحة، بل إنذار سياسي أخير:
أوقفوا العبث قبل أن يتحول الحزب إلى أنقاض،
وأعيدوا السياسة إلى مسارها قبل أن يُكتب اسمكم في خانة من خربوا أكثر مما بنوا.