من البوعزيزي إلى قيس سعيّد… عندما تأكل الثورة أبناء أحلامها

في السابع عشر من دجنبر سنة 2010، لم يكن الشاب التونسي محمد البوعزيزي يعلم أن النار التي أشعلها في جسده بمدينة سيدي بوزيد ستشعل معها ثورة شعبية، لن تغير وجه تونس فقط، بل ستزلزل أركان العالم العربي بأسره. خرج التونسيون يومها مطالبين بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، لا بحثًا عن الفوضى، بل عن دولة تحترم مواطنيها وتمنحهم الأمل في مستقبل أفضل.

نجحت الثورة في إسقاط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، واعتقد الملايين داخل تونس وخارجها أن البلاد دخلت مرحلة جديدة عنوانها الديمقراطية وسيادة القانون والتداول السلمي على السلطة. كانت تونس آنذاك توصف بأنها الاستثناء العربي، والنموذج الذي يمكن أن يحتذى به.

بعد سنوات من التجاذبات السياسية والأزمات الاقتصادية، ظهر قيس سعيّد، أستاذ القانون الدستوري، كرجل يرفع شعار احترام القانون وإعادة السلطة إلى الشعب ومحاربة الفساد. ومنحه التونسيون ثقتهم بأغلبية كبيرة، آملين أن يعيد للدولة هيبتها ويحقق أهداف الثورة التي دفع الشعب ثمنها غاليًا.

لكن التجربة التونسية دخلت منذ عام 2021 مرحلة جديدة أثارت نقاشًا واسعًا داخل البلاد وخارجها. فقد اتخذ الرئيس قيس سعيّد سلسلة من الإجراءات الاستثنائية شملت حل البرلمان وإعادة صياغة النظام الدستوري وتعزيز صلاحيات الرئاسة. ويرى مؤيدوه أن هذه الإجراءات كانت ضرورية لإنهاء حالة الانسداد السياسي ومحاربة الفساد، بينما تعتبرها قوى معارضة ومنظمات حقوقية تراجعًا عن مبادئ الفصل بين السلطات والضمانات الديمقراطية التي جاءت بها الثورة.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من يحكم تونس؟ بل: هل ما زالت الأهداف التي خرج من أجلها محمد البوعزيزي وآلاف التونسيين حاضرة في الواقع السياسي والاجتماعي؟

فالثورات لا تقاس بعدد الرؤساء الذين يغادرون السلطة، وإنما بمدى نجاحها في بناء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وإعلام حر، واقتصاد يوفر فرص العيش الكريم للمواطن. وإذا كانت الحرية قد أسقطت نظامًا، فإن المحافظة عليها تتطلب مؤسسات تحميها، لا أشخاصًا مهما كانت نواياهم.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا ترفض الدولة القوية، بل ترفض غياب التوازن بين السلطات، وتطمح إلى دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والحاكم خاضعًا للمساءلة كما يخضع لها المواطن.

ستظل تونس رمزًا للحظة تاريخية غيرت المنطقة، لكن التاريخ لم يغلق صفحاته بعد. فما زال أمام التونسيين فرصة لصياغة مستقبلهم بأنفسهم، مستقبل يجمع بين الاستقرار والحرية، وبين هيبة الدولة وحقوق الإنسان، لأن الكرامة التي أشعلت الثورة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ذكرى، بل يجب أن تبقى مشروعًا وطنيًا متجددًا.

إن رسالة الشعوب واحدة، سواء في تونس أو في أي مكان آخر: لا تطلب المستحيل، بل تطلب حكمًا رشيدًا، وعدالةً متساوية، ومؤسساتٍ قوية، ومستقبلًا يليق بأبنائها. وعندما تصغي الدول إلى هذه الرسالة، تنتصر الأوطان قبل أن ينتصر الحكام.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا