بنكيران وسبتة.. حين تصبح زلة السياسي السابق هدية لخصوم المغرب

افتتاحية «بيتنا الآن»

ما كان لنا أن نتوقف عند كل «خرجة» سياسية لعبد الإله بنكيران، لو كان مجرد مواطن أو ناشط حزبي عادي. لكن الرجل ليس كذلك.

عبد الإله بنكيران رئيس حكومة مغربية سابق، وأمين عام لحزب قاد الحكومة لولايتين متتاليتين، وشخصية سياسية خبرت مؤسسات الدولة، واجتمعت برجالاتها، واشتغلت داخل دواليبها، وتعرف قبل غيرها أن للكلمة السياسية في المغرب أثماناً، وأن بعض العبارات لا تموت لحظة خروجها من فم صاحبها، بل تبدأ حياتها الحقيقية عندما تلتقطها وسائل الإعلام الأجنبية والخصوم السياسيون.

ولهذا، فإن ما قاله بنكيران بشأن أحداث سبتة المحتلة يوم 30 يوليوز، وإعلانه أنه «طلب من الملك معرفة ما وقع ومن دبره وكيف»، وأنه ما يزال ينتظر الجواب، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رأي عابر.

فقد نقلت وسائل إعلام مغربية هذا التصريح بوضوح، مؤكدة أن بنكيران تحدث عن طلب وجهه إلى الملك لمعرفة حقيقة ما جرى والجهة التي تقف وراء موجة النزوح الجماعي نحو سبتة.

وهنا نقولها بصراحة:

بنكيران كان عليه أن يعرف أكثر من غيره أين يجب أن يضع السؤال.

إذا كان يريد معرفة حقيقة ما جرى، فهناك رئيس الحكومة.

وهناك وزير الداخلية.

وهناك القطاعات والمؤسسات الأمنية والإدارية المعنية.

وهناك وزارة الخارجية، إذا كان الأمر يتعلق بأبعاد دبلوماسية.

وهناك البرلمان، بما يتيحه من آليات للمساءلة السياسية.

وهناك الأحزاب والمؤسسات الدستورية.

فلماذا اختار أن يجعل السؤال موجهاً إلى الملك، ثم يخرج إلى الرأي العام ليقول إنه لم يتلق جواباً وما زال ينتظر؟

هذه ليست مسألة تقنية في التعبير.

هذه مسألة مسؤولية سياسية.

لأن بنكيران ليس سياسياً مبتدئاً حتى نقول إنه لم ينتبه إلى وقع عبارته.

إنه رجل كان يجلس في رئاسة الحكومة، وكان يعرف أن الدولة ليست شخصاً واحداً، وأن المؤسسات لها اختصاصات، وأن المسؤولية السياسية والإدارية والأمنية لا يمكن أن تذوب كلها في عنوان واحد اسمه «الملك».

بل إن السؤال الذي كان ينبغي أن يوجهه بنكيران إلى نفسه قبل أن يوجهه إلى غيره هو:

هل أنا، كرئيس حكومة سابق وأمين عام حزب سياسي، أقوي المؤسسات عندما أطرح هذا السؤال بهذه الطريقة، أم أضعفها؟

والأخطر أن هذه التصريحات لم تبق داخل الحدود المغربية.

لقد أصبحت مادة للتناول الإعلامي والسياسي في إسبانيا، في وقت شديد الحساسية حول سبتة ومليلية والهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية. وقد سبق أن أثارت تصريحات لبنكيران حول المدينتين جدلاً في الإعلام الإسباني، وهو ما يبين مدى قابلية كلامه للتوظيف خارجياً.

وهنا مكمن الخطورة.

قد يكون بنكيران قصد شيئاً، لكن السياسة الدولية لا تحاكم السياسي على ما قصده في بيته، وإنما على ما قاله علناً وكيف استُعمل كلامه.

الخصم لا يحتاج منك أن تمنحه موقفاً سياسياً كاملاً؛ أحياناً تكفيه جملة واحدة.

وخصوم المغرب في الخارج لا يبحثون دائماً عن معلومات جديدة. أحياناً يبحثون عن عبارة صادرة من شخصية مغربية ذات وزن، ثم يعيدون تركيبها داخل خطاب يخدم أجندتهم.

وهذا بالضبط ما كان ينبغي لرئيس حكومة سابق أن ينتبه إليه.

نحن لا ندافع هنا عن إخفاء الحقيقة، ولا نقول إن أحداث سبتة لا تحتاج إلى تفسير.

بالعكس.

الشعب المغربي من حقه أن يعرف ماذا وقع.

ومن حقه أن يعرف كيف تحرك آلاف الشباب في اتجاه سبتة في ذلك اليوم، ومن خطط، ومن حرض، ومن نظم، وهل كان الأمر عفوياً أم كانت وراءه جهات أخرى، وما هي الإجراءات التي اتخذتها الدولة، وما الذي خلصت إليه التحقيقات إن كانت قد فتحت.

هذه أسئلة مشروعة.

لكن مشروعية السؤال لا تعني بالضرورة صحة الجهة التي اختارها السياسي لطرح السؤال عليها في العلن.

وهنا تحديداً وقع بنكيران في ما نراه زلة سياسية كبيرة.

فبدلاً من أن يقول: «أطالب الحكومة بتقديم توضيحات للرأي العام»، أو «أطالب وزير الداخلية بالكشف عن ملابسات ما جرى»، أو «أطالب رئيس الحكومة بتحمل مسؤوليته السياسية»، اختار أن يقول إنه طلب من الملك الجواب.

ثم جعل عدم وصول الجواب موضوعاً سياسياً وإعلامياً.

وهنا نقول: واحسرتاه!

واحسرتاه على رجل سبق له أن ترأس الحكومة، وكان يفترض أن يكون أكثر الناس معرفة بالمسالك المؤسساتية.

واحسرتاه على سياسي كان بإمكانه أن يوجه سهامه إلى الحكومة، فيقوي بذلك منطق المسؤولية والمحاسبة، فإذا به يرفع السؤال إلى أعلى هرم الدولة بطريقة تفتح الباب أمام التأويلات.

وهذا لا يخدم لا بنكيران، ولا حزبه، ولا الحياة السياسية المغربية.

بل إن حزب العدالة والتنمية نفسه معني بأن يسأل أمينه العام:

هل كل سؤال سياسي يجب أن ينتهي عند المؤسسة الملكية؟

أليس من صميم العمل الحزبي أن يحاسب الحزب الحكومة؟

أليس من واجب المعارضة أن تطالب المسؤول الحكومي بالجواب؟

أليست قوة المؤسسات في أن يتحمل كل مسؤول مسؤوليته أمام المغاربة؟

ثم إن المغرب عاش، في السنوات الأخيرة، محطات دقيقة، وكان جلالة الملك محمد السادس حريصاً على إحاطة القوى السياسية الوطنية بالملفات الكبرى.

ولعل من أبرز الأمثلة اللقاءات التي جرت مع الأمناء العامين للأحزاب والقيادات السياسية لشرح التطورات المرتبطة بالقضية الوطنية، ولاسيما بعد القرار الأممي 2797 المتعلق بمسار قضية الصحراء المغربية ومبادرة الحكم الذاتي.

كان ذلك نموذجاً لكيفية تدبير القضايا الكبرى: مؤسسة ملكية تتحرك في نطاق اختصاصاتها، وأحزاب سياسية تستوعب المعطيات، ثم تتحمل مسؤوليتها السياسية والوطنية.

فلماذا نعود اليوم إلى منطق يجعل الملك عنواناً لكل سؤال؟

المغرب في حاجة إلى تقوية الحكومة، والبرلمان، والأحزاب، والإدارة، والمؤسسات الأمنية والقضائية، لا إلى إضعافها بإحالة كل الملفات على المؤسسة الملكية.

والذين يعرفون جلالة الملك يعرفون أنه لا يحتاج إلى من يدافع عنه بالنيابة عن المؤسسات.

المؤسسة الملكية أقوى من أن تحتاج إلى مزايدة سياسية، وأكبر من أن تتحول إلى طرف في سجال حزبي.

أما بنكيران، فكان يستطيع أن يكون أكثر فائدة للمغاربة لو طرح السؤال الحقيقي:

لماذا وصل بعض شبابنا إلى درجة أصبح فيها الوصول إلى سبتة والمخاطرة بحياتهم يبدو لهم أفضل من البقاء في وطنهم؟

هذا سؤال ثقيل.

وهذا سؤال يستحق أن تناقش حوله الحكومة والمعارضة والأحزاب والنخب.

أما البحث عن «من دبر» الأحداث، فهو سؤال أمني واستخباراتي وسياسي يحتاج إلى معطيات وتحقيقات، وليس إلى تخمينات أو استنتاجات سياسية.

والأخطر أن بنكيران نفسه قال إنه لا يتهم رئيس الحكومة بتدبير الأحداث، بل حمله مسؤولية سياسية عن المناخ العام، بحسب ما نقلته وسائل إعلام عن تصريحه.

إذن لماذا لا يُطرح السؤال مباشرة على رئيس الحكومة؟

لماذا لا يطالَب أخنوش بتقديم حصيلة حكومته؟

لماذا لا تتم مساءلة وزير الداخلية؟

لماذا لا يطلب حزب العدالة والتنمية عقد نقاش برلماني؟

لماذا لا تتحول القضية إلى ملف سياسي وطني تتم مناقشته بمسؤولية؟

لماذا القفز فوق كل هذه المؤسسات؟

هنا تحديداً تكمن المشكلة.

فالسياسي الكبير ليس من يرفع صوته أكثر، وإنما من يعرف أين يضع سؤاله.

والسياسي المخضرم ليس من يستطيع أن يصنع الجدل، وإنما من يعرف متى يكون الجدل في مصلحة الوطن ومتى يتحول إلى مادة جاهزة للخصوم.

وبنكيران يعرف ذلك.

ولهذا فإن «بيتنا الآن» لا ترى في هذه القضية مجرد زلة لسان.

إنها زلة تقدير سياسي من رجل كان يفترض أن يكون أكثر حذراً، خصوصاً في ملف يتعلق بسبتة المحتلة، والهجرة، والعلاقات المغربية الإسبانية، ومؤسسات الدولة.

نحن لا نطلب من بنكيران الصمت.

ولا نطلب من المعارضة أن تسكت.

ولا نطلب من الأحزاب أن تتخلى عن حقها في السؤال.

بل نطلب العكس تماماً:

اسألوا أكثر، ولكن اسألوا من يملك الاختصاص.

حاسبوا الحكومة.

ناقشوا الوزراء.

استدعوا المسؤولين.

افتحوا الملفات.

طالبوا بالمعطيات.

لكن لا تجعلوا المؤسسة الملكية شماعة لكل سؤال سياسي، ولا تمنحوا الإعلام الأجنبي فرصة لأن يحول خلافاً سياسياً داخلياً إلى مادة للطعن في مؤسسات الدولة المغربية.

فالمغرب أكبر من الأشخاص.

والملكية أكبر من الأحزاب.

والدولة أكبر من الحكومات.

والحقيقة أكبر من بنكيران وأخنوش وغيرهما.

أما حزب العدالة والتنمية، فإن عليه أن يدرك أن الكلام الصادر عن أمينه العام لا يخصه وحده.

إنه كلام سيحسب على الحزب.

وسيقرأ خارج المغرب.

وسيُستعمل في إسبانيا.

وسيحلله الخصوم.

وسيتلقاه المواطن المغربي قبل غيره.

ولهذا فإننا نقولها بلا مواربة:

على بنكيران أن يراجع حساباته السياسية، لا أن يراجع فقط تصريحاته.

فقد يكون من حقه أن يسأل.

لكن ليس من حقه أن يتجاهل أن كل كلمة تصدر عن رئيس حكومة سابق وأمين عام حزب سياسي كبير يمكن أن تتحول إلى قضية وطنية.

وفي زمن أصبحت فيه الجملة تنتقل من الرباط إلى مدريد في دقائق، فإن المسؤولية السياسية عن الكلام أصبحت أكبر من أي وقت مضى.

فاحذروا الكلمة حين تكون الدولة هي موضوعها.

واحذروا السؤال حين يُوضع في غير مؤسسته.

واحذروا أن تتحول المعارضة من وسيلة لمراقبة الحكومة إلى باب يدخل منه خصوم المغرب للتشكيك في مؤسساته.

فالمغاربة قد يختلفون حول الحكومة.

وقد يختلفون حول الأحزاب.

وقد ينتقدون بنكيران وأخنوش وغيرهما.

لكن حين يتعلق الأمر بالمؤسسات السيادية وبالمصالح العليا للمملكة، فإن الخلاف السياسي يجب ألا يتحول إلى مادة مجانية للخارج.

ومن كان رئيساً للحكومة ذات يوم، يفترض أن يكون أول من يعرف هذه القاعدة.

هذه ليست دعوة إلى تقديس الأشخاص.

بل دعوة إلى احترام الدولة.

وليست دعوة إلى إغلاق باب السؤال.

بل دعوة إلى وضع السؤال في مكانه الصحيح.

فالملك ليس جواباً عن كل سؤال، والحكومة ليست معفاة من كل مساءلة، والمعارضة ليست فوق النقد، والحزب ليس فوق الوطن.

وتلك، في النهاية، هي دولة المؤسسات التي نريدها.

«بيتنا الآن» — الخبر مقدس والتعليق حر.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا