ما يُقارب أربعة عقود وهو عالق بين رحلتين : مُغادَرة مُرَّة وعودة مرغوب فيها . يرحل كل مرة مُثْقلاً ، كأن الوطن يضيق به . كثيرة هي الأشياء التي تحفظ صدى خصوماته وخيباته . يُقسم في داخله أن هذه ستكون الأخيرة ، و أن الرحيل هذه المرة سيكون بلا عودة .
لكن ، يمضي الوقت فلا يفي بوعده . شهرا بعد شهر يبدأ التذمر في التآكل ، كَبَيْتٍ قديمٍ تنخر جِدارَه الرطوبة . يلين الغضب ، وتخفت حدة السخط ، ليُعَوضه حنين عنيد . حنين لا يُقنعه منطق ولا تُسكِته مسافات الجغرافيا .
مع كل ربيع تتفتح في داخله نُذوب قديمة ، وأسئلة غامضة ، وحنين لا يبلى . ما إن يلوح أول دفء في الهواء ، حتى يبدأ شيء خفي في الانبعاث ، شيء يشبه الشوق ، ويشبه الألم ، ويشبه عناده أيضا .
يترك وراءه شقة صامتة ، و أياما متشابهة ، وأرضا لا يحبها و لا يكرهها . إنها مجرد مكان يصلح لأن يعيش فيه . ثم يودع أصدقاءه الموسميين ، يتساعدون بينهم في ترتيب أغراضهم كلما دعت الضرورة . أما هنـــــــــــــاك …فالأمر مختلف .
هنــــــاك ترك جزءًا منه منذ زمن بعيد ، حيث الطفولة لم تكن هادئة تمامًا ، ولا المراهقة . كانت مشوبة بنقص دائم ، و بِبحْث لا ينتهي عن شيء لا يُسمّى . هناك تعلّم كيف يفرح بالقليل ، كيف تَصنع الدُّريهمات المحدودة قيمةَ الأيام ، وكيف يجعل من ورقة نقديةٍ سببًا لسعادةِ أسبوعٍ كامل حين يَحتفظ بها ليُطيل شعور الامتلاك .
يشتاق لأماكن رغم بساطتها ، لأنها كانت تحفظ خطواته رغم نسيانه لها . يشتاق للوجوه على اختلافها . و يشتاق لنفسه القديمة ، التي كانت ترى في أبسط الأشياء نعمة .
هكذا كل عام ، يعيد نفس السيناريو . لأنه لم يستطع أن يتخلّص من ذلك الخيط الخفي الذي يربطه بـهُنــــــــاك… حيث الأهل والأصدقاء ، و حيث المعنى الحقيقي لراحته النفسية .
في كل مرة يحاول إقناع نفسه ان الأماكن باقية في أمكنتها ، وأن الوجوه قد تشيخ وقد تمضي ، وان الازقة لن تبرح مدنها . ..لكن شيئًا خفيا بداخله لا يعرف إلا العكس . مرة بعد مرة يريد تأجيل العودة ، لكنه يخشى ألا يجد ما ترك ، أو أن يجده قد تغير .
نظر إلى الطريق الممتد أمامه ، ثم فكر لأول مرة بوضوح : هل تغادر الطيور المهاجرة أوكارَها مُكرَهة ؟ أم أنها تهاجر موسميا بدافع الفطرة أو الاستكشاف ؟ . تعمَّد ألاَّ يخوض في جدال قد يُنغص عليه سفره .
كلما طوى المسافات و اقترب من أرض الوطن ، شعر بانقباض في صدره . هذا هو الشعور الذي كان يهرب منه ، والذي يعود إليه دائما .
عند رُسُوِّ الباخرة ، تلاشى انضباط المسافرين الذي كان يفرضه التواجد على ظهرها ، و بدت بوادر الصَّخَب و الفوضى. واصطفّت السيارات في طوابير طويلة تتسابق نحو الخروج كأنها كانت مُكبَّلة لمدة ، و هي الآن تعانق الحرية لأول مرة .
عند الممر الضيِّق المؤدي للجمارك ، تغير الهواء . رائحة قديمة ، اختلط فيها الملح بالغبار . أحس بأن الأرض صارت مِلكا له .
جمركي يُفتش الحقائب بتوتر ، ونظرات تُرمى من نافذة لأخرى . وشاب يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع كأنه يعلن عودته للعالم . أما هو فلم يكن مستعدا لإخبار أحد بقدومه .
ناول جواز سفره لموظف لا يَرُدُّ التحية … قَلب الصفحات بسرعة . توقف عند إحداها ، حملق في وجه،،، ثم تَم الختم بنجاح . ..
صوت جاف ، واِيماءة خفيفة فهِم منها أنه يقول له : ” مُر “. تقدم قليلا و تساءل: هل فعلا عانق وطنه أم أنه فقط مَرَّ …؟ !!!.
بمَدخل جرسيف أحس بدفئ وكأن الوطن يبتديء من هنا . أشجار عالية غير مُقلَّمة ، وأشغال على الطريق لم تكتمل بعد … لقد حضر حفل بداية الأشغال
في الصيف الماضي . قال في نفسه : مادامت آليات الأشغال مركونة بجانب الطريق فالأمور بخير ،ثم ابتسم..!!….
دخل المدينة . تنفس . شكر الله على وصوله سالما بدون شوائب .
مر بمحطة بنزين لم تُنظَّف منذ فترة على ما يبدو ، فاستوقفته رائحة القهوة . تردَّد ثم واصل الطريق . يعرف أين سيشربها .
أمام البيت القديم ، ظل واقفا على بعد خطوات يتأمله كما لو أنه ينظر إلى وجهه في مرآة تآكلت جوانبها . النافذة التي كانت تُفتح كل صباح مُغلقة بإحكام . و قد تفنَّن العنكبوت في ضَرب خيوطه بأركانها العلوية ، و تَدَلَّت خيوطٌ أخرى تتلاعب بها الرياح . ابتلع ريقه ….( لا أريد إكمال المشهد ) .
تسلل إليه شعور قاسٍ ، كأنه هذه المرة لم يعد إلى وطنه ، إنما عاد لذات الضيق الذي يهرب منه في ديار المهجر .
تآكلت أجزاء منه في أماكن لا يوَدُّ ذكرها ، وعاد إلى وطن يعتز بالنسخ الأصلية لأبنائه . تبادرت لذهنه رواية ” عائد إلى حيفا ” لغسان كنفاني ، لمّا استنتج أن الوطن ليس فقط في البيت أو الأرض ، بل هو ارتباط عميق بالهوية والانتماء.
فكر : لاشيء يبقى على ما هو عليه . كل الأشياء تتغير . حتى الزمن الحاضر ينساب دون انتظار أو مشورة . باستثناء الماضي فهو يظل واقفا شامخا لا يبرح الذاكرة .
خفض رأسه ، تردد لحظة ، استدار ، وخطا مبتعدا كأنه أخيرا فهم أن بعض اللحظات لا تُستعاد .إنها كالأوطان تُحمَل في الداخل ولا تَحتمِل الهجر ولا النسيان…
م .العربي
ماي2024
من مراسلنا من ضواحي باريز.
مقالة عن الغربة.