في الوقت الذي تواصل فيه الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية تحقيق نتائج مالية ومؤسساتية مهمة، بفضل المجهودات اليومية التي تبذلها أطرها ومستخدموها عبر مختلف المصالح الخارجية والمركزية، تبرز بين الفينة والأخرى تساؤلات مشروعة حول كيفية تدبير بعض القطاعات الحساسة داخل المؤسسة، وفي مقدمتها قطاع التواصل والعلاقات العامة.
فهذا القطاع، الذي يفترض أن يشكل جسراً للتواصل بين المؤسسة ومحيطها الداخلي والخارجي، وأن يساهم في تعزيز صورة الوكالة وترسيخ مبادئ الشفافية والانفتاح، يبدو في نظر عدد من المتتبعين وكأنه تحول إلى مجال يحيط به الكثير من الغموض، خصوصاً فيما يتعلق بتدبير الميزانيات المخصصة للتظاهرات والأنشطة التواصلية وصفقات الإشهار والوسائل الترويجية المختلفة.
إن الإشكال لا يكمن في وجود قسم للتواصل أو في تخصيص ميزانيات له، فذلك أمر معمول به في مختلف المؤسسات العمومية الحديثة، بل يكمن في مدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة والنجاعة والشفافية في تدبير هذه الموارد، ومدى خضوعها للمراقبة والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن بين الملاحظات التي يثيرها بعض المهتمين بالشأن الداخلي للمؤسسة، وجود تفاوت واضح بين الظروف المهنية الصعبة التي يشتغل فيها العديد من المستخدمين بالمصالح الخارجية، وبين حجم الإنفاق الذي يخصص لبعض الأنشطة والبروتوكولات والوسائل المرتبطة بالتواصل. فبين مكاتب تواجه ضغطاً متزايداً في الخدمات المقدمة للمواطنين، وحاجيات مستمرة للتجهيز والتأهيل وتحسين ظروف العمل، يطرح سؤال الأولويات نفسه بإلحاح.
كما تثار تساؤلات أخرى حول معايير الاستفادة من الإشهار المؤسساتي، ومدى احترام قواعد المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف المنابر الإعلامية، خاصة وأن المال العمومي يقتضي الوضوح في معايير الاختيار والتوزيع، بما يضمن خدمة المصلحة العامة بعيداً عن أي اعتبارات أخرى.
ويضاف إلى ذلك الجدل الذي يرافق بعض الصفقات المرتبطة بالهدايا المؤسساتية والوسائل الترويجية واللوازم التواصلية، والتي يرى عدد من المتابعين أنها تستوجب افتحاصاً دقيقاً للتأكد من مدى مطابقتها لمقتضيات الحكامة الجيدة وترشيد النفقات.
إن هذه التساؤلات، سواء كانت صحيحة كلياً أو جزئياً أو مجرد انطباعات متداولة داخل المؤسسة وخارجها، لا يمكن حسمها إلا عبر آليات الرقابة القانونية والمؤسساتية المختصة. لذلك فإن المصلحة العليا للوكالة، وصيانة سمعتها كمؤسسة استراتيجية تلعب دوراً محورياً في الأمن العقاري والتنمية الاقتصادية، تقتضي فتح المجال أمام افتحاصات دورية ومستقلة لكل القطاعات الحساسة، بما فيها قطاع التواصل.
فالمطلوب اليوم ليس إطلاق الاتهامات أو إصدار الأحكام المسبقة، بل تكريس ثقافة الشفافية والمساءلة، وتمكين أجهزة الرقابة المختصة، من قبيل المفتشية العامة للمالية والمجالس الجهوية للحسابات وهيئات التدقيق المعتمدة، من القيام بأدوارها الطبيعية كلما اقتضت الضرورة ذلك.
إن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بحجم مواردها المالية أو بمؤشرات أدائها، بل كذلك بقدرتها على إخضاع جميع قطاعاتها للمراقبة والتقييم المستمر، وترسيخ الثقة لدى موظفيها وشركائها والرأي العام. ومن هذا المنطلق، فإن أي دعوة إلى الافتحاص والتدقيق لا ينبغي أن تُفهم كاستهداف لأشخاص أو مسؤولين، بل باعتبارها ممارسة مؤسساتية سليمة تهدف إلى حماية المال العام وتعزيز الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي النهاية، يبقى السؤال المطروح: هل آن الأوان لإجراء تقييم شامل وشفاف لتدبير قطاع التواصل داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، بما يبدد كل الشكوك ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة؟ ذلك ما كفيل بالإجابة عنه التدقيق الموضوعي والمؤسساتي، بعيداً عن لغة الاتهام والانطباعات.