يشكل الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، على عرش أسلافه المنعمين، مناسبة وطنية تتجاوز أجواء الاحتفال والرمزية، لتصبح محطة للتأمل في مسار دولة اختارت الإصلاح في ظل الاستقرار، والتحديث في إطار الثوابت، وترسيخ مؤسسات قوية قادرة على مواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية.
لقد أثبتت التجربة المغربية خلال العقود السبعة والعشرين الماضية أن قوة الدولة لا تقاس فقط بمؤشراتها الاقتصادية أو بمشاريعها التنموية، وإنما أيضاً بصلابة مؤسساتها السيادية، وبقدرتها على حماية الوطن وحدوده، وصون أمن المواطنين، وإنفاذ القانون، وتأمين استمرارية المرافق العمومية في مختلف الظروف. ومن هذا المنطلق، عمل جلالة الملك على تحديث مختلف المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية، وجعلها أكثر احترافية ونجاعة، مع ترسيخ ثقافة الانضباط وربط المسؤولية بالواجب.
وفي مقدمة هذه المؤسسات، تواصل القوات المسلحة الملكية أداء رسالتها الدستورية في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، وحماية السيادة الوطنية، وتعزيز جاهزيتها العملياتية من خلال تحديث تجهيزاتها، وتنويع شراكاتها العسكرية، والرفع من مستوى التكوين والتأهيل. كما برهنت على حضورها الإنساني في عمليات الإغاثة والتدخل عند الكوارث الطبيعية، وفي المساهمة في المبادرات ذات الطابع الإنساني داخل المغرب وخارجه.
وإلى جانبها، يضطلع الدرك الملكي بدور محوري في حفظ الأمن بالمجال القروي والمحاور الطرقية، ومكافحة مختلف أشكال الجريمة، والتنسيق مع باقي الأجهزة الأمنية، بما يعزز الأمن الشامل للمملكة.
أما المديرية العامة للأمن الوطني، فقد شهدت خلال السنوات الأخيرة تحديثاً متواصلاً في أساليب العمل، والموارد البشرية، والبنيات التحتية، بما مكنها من الارتقاء بجودة الخدمات الأمنية، وتطوير قدراتها في مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب والجريمة الإلكترونية، مع تعزيز شرطة القرب والانفتاح على المواطنين.
كما تضطلع القوات المساعدة بأدوار ميدانية أساسية في دعم السلطات العمومية، والمساهمة في حفظ النظام، وتأمين التظاهرات، ومراقبة الحدود، والتدخل في الحالات الاستثنائية، وهو ما يجعلها أحد الأعمدة الأساسية لمنظومة الأمن الوطني.
ولا يقل دور الوقاية المدنية أهمية، إذ أصبحت هذه المؤسسة عنواناً للتضحية ونكران الذات، من خلال تدخلاتها اليومية لإنقاذ الأرواح، وإخماد الحرائق، والاستجابة للكوارث والحوادث، بما يعكس جاهزية عالية وكفاءة مهنية مشهوداً بها.
وفي السياق ذاته، تؤدي إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة وظيفة استراتيجية في حماية الاقتصاد الوطني، ومحاربة التهريب والاتجار غير المشروع، وتأمين المداخيل العمومية، والمساهمة في حماية المستهلك والاقتصاد الوطني، بالتنسيق مع مختلف الأجهزة الأمنية.
أما الإدارة الترابية، ممثلة في الولاة والعمال ورجال السلطة، فتظل ركيزة أساسية في تنفيذ السياسات العمومية، وضمان استمرارية المرفق العام، والسهر على حفظ النظام العام، وتتبع المشاريع التنموية، والتفاعل مع انتظارات المواطنين، في إطار مفهوم جديد للسلطة يقوم على القرب والإنصات والنجاعة.
إن ما يميز النموذج المغربي هو أن هذه المؤسسات، على اختلاف اختصاصاتها، لا تعمل في جزر معزولة، وإنما في إطار منظومة متكاملة، قوامها التنسيق والتكامل، بما يجعل أمن المملكة واستقرارها مسؤولية جماعية تتقاسمها مختلف الأجهزة، تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية.
وقد أبانت هذه المنظومة عن نجاعتها في مواجهة تحديات معقدة، سواء تعلق الأمر بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، أو حماية الحدود، أو تدبير الكوارث الطبيعية، أو تأمين التظاهرات الدولية الكبرى، أو مواكبة الأوراش الوطنية، وهو ما عزز مكانة المغرب كشريك موثوق على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، فإن تحية التقدير والاعتزاز تتوجه إلى جميع نساء ورجال القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، وإدارة الجمارك، ورجال السلطة بالإدارة الترابية، وكل العاملين في خدمة الوطن، الذين يؤدون واجبهم في صمت وانضباط وإخلاص، واضعين المصلحة العليا للمملكة فوق كل اعتبار.
إن الاحتفال بعيد العرش ليس فقط استحضاراً لمنجزات الماضي، بل هو أيضاً تجديد للعهد على مواصلة بناء دولة قوية بمؤسساتها، متماسكة بجبهتها الداخلية، وراسخة في ثوابتها، وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل بثقة واقتدار، في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.