سبتة المحتلة… عندما تتحول المأساة الإنسانية إلى تجارة انتخابية في إسبانيا

مرة أخرى، تكشف الأحداث التي تشهدها مدينة سبتة المحتلة عن وجه آخر من أوجه المزايدات السياسية داخل إسبانيا. فبدلاً من أن تنشغل بعض الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة بالبحث عن حلول واقعية لظاهرة الهجرة غير النظامية، سارعت إلى استغلال المشاهد الإنسانية المؤلمة لتصفية الحسابات السياسية، وإثارة المخاوف، وحشد الأصوات استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

إن ما يثير الاستغراب ليس وقوع محاولات للهجرة، فهي ظاهرة عالمية تعرفها مختلف القارات، وإنما الإصرار على جعل المغرب المتهم الأول في كل مناسبة، وكأن مدريد وبروكسيل معفيتان من مسؤولياتهما القانونية والسياسية والأمنية. والأخطر من ذلك أن بعض الأطراف تتعامل مع كل أزمة باعتبارها فرصة لإحياء خطاب عدائي تجاه المغرب ومؤسساته، متناسية أن العلاقات بين الدول لا تبنى على الشعبوية، وإنما على المسؤولية والاحترام المتبادل.

إن المغرب لم يوقع يوماً على اتفاق يجعله حارساً لحدود أوروبا، ولم يفوضه أحد للقيام بدور “دركي” يحرس الثغور المحتلة نيابة عن إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي. فمن غير المقبول سياسياً ولا قانونياً أن يطالب المغرب بتحمل أعباء حماية حدود تقع خارج سيادته، بينما تتنصل الأطراف المعنية من واجباتها الأساسية.

فإذا كانت سبتة تعتبرها إسبانيا حدوداً خارجية للاتحاد الأوروبي، فإن حماية تلك الحدود مسؤولية إسبانية وأوروبية بالدرجة الأولى. أما المغرب، فقد أثبت مراراً، وبشهادة العديد من شركائه الدوليين، أنه شريك مسؤول في مكافحة الهجرة غير النظامية، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، وهي جهود تتجاوز في كثير من الأحيان ما تقوم به دول أوروبية تمتلك إمكانات مالية وتقنية أكبر.

لكن ما إن تقع أزمة، حتى يخرج علينا بعض الجنرالات المتقاعدين، وبعض الأصوات السياسية والإعلامية المعروفة بعدائها للمغرب، لإطلاق الاتهامات المجانية، وكأن الهدف ليس معالجة الأزمة، بل صناعة عدو خارجي يخفف من حدة الأزمات الداخلية، ويمنح الأحزاب المتطرفة فرصة جديدة لاستثمار الخوف في صناديق الاقتراع.

إن من يريد علاقة متوازنة مع المغرب، عليه أولاً أن يتخلى عن لغة الوصاية والابتزاز السياسي. فالمملكة المغربية دولة ذات سيادة، تتعامل مع شركائها وفق منطق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وليس بمنطق الإملاءات أو تحميلها مسؤولية كل ما يقع على الضفة الشمالية للمتوسط.

لقد أثبت التاريخ القريب أن التعاون المغربي الإسباني عندما يقوم على الثقة والندية يحقق نتائج مهمة في مجالات الأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب. أما عندما يفسح المجال للخطابات المتطرفة والمزايدات الانتخابية، فإن الخاسر الحقيقي هو الاستقرار الإقليمي، وتتعرض علاقات الجوار لاختبارات لا تخدم أي طرف.

ولعل أكثر ما يبعث على القلق هو أن بعض المنابر الإعلامية اختارت مرة أخرى الاصطفاف وراء الرواية السياسية المتشددة، متخلية عن قواعد المهنية والتوازن، ومفضلة توجيه سهامها نحو المغرب بدل مساءلة السياسات الأوروبية التي ساهمت هي الأخرى في تعقيد ملف الهجرة.

إن المغرب لا يحتاج إلى دروس في تحمل المسؤولية، فقد قدم على مدى سنوات نموذجاً في التعاون الأمني والإنساني، لكنه في المقابل لن يقبل بأن يتحول إلى شماعة تعلق عليها إخفاقات الآخرين، أو إلى حارس مجاني لحدود ليست حدوده.

إن الاحترام في العلاقات الدولية ليس امتيازاً يمنحه طرف لآخر، بل هو قاعدة لا تستقيم الشراكات بدونها. ومن أراد من المغرب أن يبقى شريكاً موثوقاً، فعليه أن يخاطبه بلغة الاحترام نفسها، وأن يدرك أن زمن الإملاءات قد ولى، وأن بناء المستقبل لا يكون بالتحريض والمزايدات، وإنما بالشراكة الصادقة وتقاسم المسؤوليات.

وإذا كانت بعض الأحزاب الإسبانية تعتقد أن الطريق إلى السلطة يمر عبر مهاجمة المغرب، فإنها واهمة. فالأزمات لا تُحل بالشعارات الانتخابية، ولا بالخطابات الشعبوية، بل بسياسات مسؤولة تعترف بأن الهجرة تحدٍّ دولي، وأن أمن المتوسط مسؤولية مشتركة، لا عبء يُلقى على عاتق دولة واحدة كلما اقتضت الحاجة إلى كسب أصوات الناخبين.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا