الفصل 96 من قانون التحفيظ العقاري في ضوء اجتهادات محكمة النقض دراسة قانونية وعملية
يعد الفصل 96 من القانون رقم 14.07 المتعلق بالتحفيظ العقاري من أهم المقتضيات التي كرس بها المشرع المغربي مبدأ خضوع قرارات المحافظ على الأملاك العقارية للرقابة القضائية. فلم يعد المحافظ يمارس اختصاصه بمعزل عن القضاء، بل أصبحت قراراته، متى تعلقت برفض تقييد حق عيني أو التشطيب عليه، قابلة للطعن أمام المحكمة الابتدائية، مع إمكانية استئناف الحكم ثم الطعن فيه بالنقض.
وقد كان لمحكمة النقض دور محوري في ترسيخ المبادئ المؤطرة لتطبيق هذا الفصل، سواء قبل تعديل القانون أو بعد دخوله حيز التنفيذ.
أولا: تعليل قرار المحافظ ضمانة دستورية وقانونية
أكدت محكمة النقض في العديد من قراراتها أن تعليل قرار المحافظ ليس إجراء شكليا، وإنما ضمانة جوهرية تكفل حق الدفاع وتمكن القضاء من مراقبة مدى احترام القانون. فكل قرار بالرفض يجب أن يبين الوقائع والأسباب القانونية التي استند إليها المحافظ، وإلا كان معرضا للإلغاء.
ثانيا: المحافظ ليس قاضيا للملكية
من المبادئ الراسخة في اجتهاد محكمة النقض أن المحافظ يمارس رقابة قانونية على الوثائق المقدمة إليه، لكنه لا يملك الفصل في النزاعات المتعلقة بأصل الحق أو الملكية أو صحة العقود من حيث الجوهر. فإذا كان النزاع جديا، فإن الفصل فيه يظل من اختصاص القضاء، وليس من اختصاص المحافظ.
ثالثا: الرقابة القضائية رقابة على المشروعية
لا تحل المحكمة محل المحافظ في ممارسة اختصاصه، وإنما تراقب مدى احترامه للقانون. ولذلك تبحث المحكمة فيما إذا كان سبب الرفض مؤسسا قانونا، وهل احترم المحافظ النصوص المنظمة للتقييد والتشطيب، أم أنه تجاوز حدود سلطته أو أخطأ في تطبيق القانون.
رابعا: أهم اجتهادات محكمة النقض
أرست محكمة النقض عدة مبادئ أصبحت مرجعا في المادة العقارية، من أهمها:
القرار الصادر بتاريخ 3 دجنبر 1998، الذي اعتبر أن قرارات المحافظ ذات طبيعة إدارية من حيث الأصل، وأن الاستثناء الوارد في الفصل 96 – قبل تعديله – كان يفسر تفسيرا ضيقا. وقد وضع هذا القرار الأساس للنقاش الذي انتهى بتدخل المشرع وتوسيع نطاق الطعن بموجب القانون رقم 14.07.
القرار عدد 831 بتاريخ 13 نونبر 2003، الذي أكد أن الاختصاص القضائي كان مرتبطا بصيغة الفصل 96 قبل التعديل، وأن أسباب الرفض كانت تؤثر في تحديد الجهة القضائية المختصة.
القرار عدد 667-8 بتاريخ 19 دجنبر 2017، الذي ميز بين رفض مطلب التحفيظ، الذي يخضع للطعن أمام المحكمة الابتدائية وفق النصوص المنظمة، وبين إلغاء مطلب التحفيظ الذي قد ينعقد الاختصاص بشأنه للقضاء الإداري بحسب الحالة القانونية.
خامسا: قراءة نقدية
رغم التطور التشريعي الذي جاء به القانون رقم 14.07، فإن الممارسة العملية تكشف استمرار بعض الإشكالات، من بينها تفاوت تعليل قرارات الرفض، واختلاف التأويل بين المحافظات العقارية، وطول أمد البت في بعض الطعون، مما يستدعي مزيدا من توحيد الاجتهاد القضائي وتطوير التكوين المستمر للأطر العاملة في المجال العقاري.
خاتمة
لقد نجح الفصل 96 في تكريس مبدأ خضوع الإدارة العقارية لرقابة القضاء، بما يعزز الأمن القانوني والأمن العقاري. غير أن فعالية هذا المقتضى تظل رهينة بحسن تعليل قرارات المحافظ، وتوحيد الاجتهاد القضائي، والالتزام بالتطبيق السليم للقانون، حتى يظل الرسم العقاري أداة لحماية الحقوق لا مصدرا للمنازعات.