حين تعجز السياسة عن إنتاج الفكرة، وتفشل الأحزاب في إقناع المواطنين ببرامجها، يظهر الوجه القبيح للممارسة الحزبية، وجه اسمه الذباب الإلكتروني؛ جيوش لا تجيد سوى صناعة الإشاعة، واغتيال السمعة، والنبش في الحياة الخاصة، وتحويل الفضاء الرقمي إلى مستنقع للكراهية والتشهير.
إن أخطر ما تعيشه الساحة السياسية اليوم ليس اختلاف الأحزاب في الرؤى والبرامج، فذلك من صميم الديمقراطية، وإنما انحدار جزء من الخطاب السياسي إلى مستوى الإساءة الشخصية والتجريح الأخلاقي. فبدل أن يكون النقاش حول الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والتشغيل، أصبح البعض يطارد الأشخاص، ويبحث في حياتهم الخاصة، ويطلق الاتهامات دون دليل، في مشهد لا يمت بصلة إلى العمل السياسي النبيل.
والمؤسف أن المرأة السياسية أصبحت من أكثر الفئات استهدافاً. فما إن تنجح امرأة في الوصول إلى موقع قيادي داخل حزب وطني، أو تتولى رئاسة مجلس وطني، أو تقترب من مسؤولية حكومية، حتى تبدأ حملات التشهير، وكأن نجاح المرأة جريمة، أو كأن الكفاءة أصبحت تهمة تستوجب العقاب.
إن هذا السلوك يكشف أن معركة بعض المتضررين ليست مع الأفكار، وإنما مع نجاح المرأة نفسها. إنها عقلية لا تزال أسيرة حسابات ضيقة، ترى في صعود الكفاءات النسائية تهديداً لمصالحها الشخصية، فتستبدل صناديق التنافس المشروع بمنصات التشهير والابتزاز المعنوي.
والأدهى من ذلك أن بعض هذه الحملات لا يصدر عن الخصوم السياسيين، بل قد يخرج من داخل البيت الحزبي نفسه. إنها “النيران الصديقة” التي لا تقل خطورة عن هجمات المنافسين، لأن أصحابها لا يؤمنون بتداول المسؤولية داخل أحزابهم، ولا يقبلون أن تتقدم امرأة عليهم بالكفاءة والاستحقاق، فيلجؤون إلى أساليب رخيصة لإسقاطها معنوياً بعدما عجزوا عن منافستها سياسياً.
لقد تحولت بعض الصفحات والحسابات الوهمية إلى غرف سوداء لتصفية الحسابات، يديرها أشخاص لا يعرفون من السياسة إلا اسمها، ولا من الديمقراطية إلا شعاراتها. يختبئون خلف أسماء مستعارة، ويوزعون الاتهامات بلا مسؤولية، ويعتقدون أن كثرة المنشورات يمكن أن تعوض غياب المشروع السياسي.
إن المسؤولية هنا لا تقع على هؤلاء وحدهم، بل تمتد إلى القيادات الحزبية التي تغض الطرف عن هذه الممارسات، أو تستفيد منها حين تستهدف خصومها، ثم تدينها عندما تطال أبناء حزبها. فالأخلاق السياسية لا تتجزأ، ومن يقبل بالتشهير اليوم ضد منافسه، قد يصبح غداً أول ضحاياه.
إن الأحزاب المغربية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإعادة الاعتبار للأخلاق في العمل السياسي، وتجفيف منابع خطاب الكراهية، والتأكيد أن الاختلاف لا يبرر الإساءة، وأن المنافسة لا تعني الاغتيال المعنوي، وأن المرأة التي أثبتت حضورها في تدبير الشأن العام تستحق الاحترام والدعم، لا حملات التشويه والإقصاء.
لقد آن الأوان لإعلان قطيعة حقيقية مع هذا المرض الذي ينخر الحياة الحزبية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر في بيئة يحكمها الذباب الإلكتروني، ولا يمكن أن تستعيد الأحزاب ثقة المواطنين وهي تسمح بتحويل السياسة إلى سوق للإشاعات وتصفية الحسابات.
فإذا كانت الأحزاب هي مدارس لتأطير المواطنين، فإن أول درس ينبغي أن تقدمه هو احترام الإنسان، وصيانة كرامته، والاحتكام إلى قوة الفكرة لا إلى قذارة التشهير.
ويبقى السؤال الكبير: كيف يمكن لحزب يدّعي أنه سيقود الحكومة غداً، أن يعجز اليوم عن قيادة أنصاره نحو احترام أخلاقيات الاختلاف؟ وكيف يمكن لمن يتطلع إلى تدبير شؤون الدولة أن يقبل بأن تكون وسيلته إلى ذلك جيوشاً إلكترونية لا تؤمن إلا بالسب والتجريح والافتراء؟
إن السياسة التي تفقد أخلاقها، تفقد مشروعيتها، والحزب الذي يربح معركة التشهير، يخسر حتماً معركة ثقة المواطنين.