ماذا يجري داخل حزب التجمع الوطني للأحرار؟ سؤال لم يعد من نوع الأسئلة التي تُطرح في الصالونات السياسية، بل أصبح سؤالاً انتخابياً بامتياز، بعدما بدأت الاستقالات والانسحابات والانتقالات من صفوف «الحمامة» تظهر هنا وهناك، وبعضها في مواقع انتخابية وازنة.
والأخطر من الاستقالة في حد ذاتها أن بعض المغادرين لا يكتفون بطي صفحة الانتماء إلى التجمع الوطني للأحرار، بل ينتقلون إلى أحزاب أخرى، ويستعدون لخوض الانتخابات بألوانها، وكأن شيئاً لم يكن.
فهل نحن أمام مجرد ميركاتو انتخابي عابر، أم أمام مؤشرات على أن شيئاً ما تغير في البنية الداخلية لحزب تصدّر انتخابات 2021 وقاد الحكومة خمس سنوات؟
المشهد يستحق التوقف.
فحزب التجمع الوطني للأحرار دخل سنة 2026 بانتقال قيادي غير مسبوق، بعدما غادر عزيز أخنوش رئاسة الحزب وانتُخب محمد شوكي رئيساً جديداً في فبراير الماضي.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الكبير: هل استطاع الحزب أن ينتقل فعلاً من مرحلة الشخص إلى مرحلة المؤسسة؟
لأن السياسة لا تُبنى على الأشخاص إلى الأبد. وإذا كان نجاح الحزب قد ارتبط بقوة بصورة أخنوش وحضوره السياسي والتنظيمي والانتخابي، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ يوم يغادر القائد، ويبقى التنظيم وحده أمام صناديق الاقتراع.
والانتخابات المقبلة ستكون أول امتحان حقيقي لمحمد شوكي.
لكن، في المقابل، لا يجوز تحويل كل استقالة إلى «انهيار»، ولا كل انتقال إلى «ثورة داخلية». فالمشهد الانتخابي المغربي يعرف دائماً انتقالات وتحالفات وإعادة تموقع، خصوصاً قبيل الانتخابات. وقد سبق أن شهد الحزب استقالات وانسحابات في الرباط، كما ظهرت تقارير عن توترات تنظيمية في جهة الشرق.
غير أن تراكم الأحداث هو الذي يستحق القراءة، وليس كل واقعة منفردة.
ثم جاءت القنبلة الصوتية.
تسجيل منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، انتشر على نطاق واسع، وتضمن انتقادات حادة لفوزي لقجع، الذي التحق أخيراً بحزب الأصالة والمعاصرة، كما تضمن حديثاً عن عدم توليه وزارة الاقتصاد والمالية في حال قاد التجمع الحكومة المقبلة.
وهنا لا بد من التمييز بين مضمون التسجيل وبين مسؤولية نشره وتسريبه؛ فالتسجيل المتداول نُسب إلى الطالبي العلمي، وأثار جدلاً واسعاً، لكن ملابسات التسريب وكيفية وصوله إلى الرأي العام تبقى في حد ذاتها سؤالاً سياسياً وقانونياً يستحق الإجابة.
أما سياسياً، فإن «زلة اللسان» ــ إن صح التعبير ــ جاءت في أسوأ توقيت ممكن.
لماذا؟
لأنها لم تعد مجرد مداخلة داخلية. لقد تحولت إلى مادة انتخابية جاهزة، وإلى وقود للصراع بين «الأحرار» و«البام»، خصوصاً أن الخلاف وقع على خلفية انتقال منتخبين وبرلمانيين من التجمع إلى الأصالة والمعاصرة. بل إن حزب «البام» دخل على الخط، وعقد قيادته اجتماعاً طارئاً على خلفية تداعيات التسجيل.
وهنا نسأل: هل كان مطلوباً من قيادي بهذا الحجم أن يفتح جبهة جديدة في الأغلبية، وفي هذا التوقيت بالذات؟
السياسة ليست فقط ما تقوله، وإنما متى تقوله، ولمن تقوله، ومن يمكن أن يستفيد منه بعد أن تقوله.
والأخطر أن عبارة واحدة قد تتحول من كلام داخل غرفة مغلقة إلى عنوان انتخابي في آلاف المنشورات واللافتات والمناظرات.
ثم يأتي السؤال الأكثر إزعاجاً: هل تعكس هذه الأحداث أزمة انتقال من «حزب أخنوش» إلى «حزب شوكي»؟
ربما يكون من الظلم القول إن التجمع الوطني للأحرار كان مجرد شخص، لكن من المشروع سياسياً التساؤل: هل استطاعت المؤسسة الحزبية أن تتحرر بالكامل من ثقل المرحلة السابقة؟
فالحزب الذي أعلن أن انتقال القيادة من أخنوش إلى شوكي رسالة لاحترام المؤسسات والحكامة، مطالب اليوم بأن يبرهن على ذلك في الميدان، لا في البلاغات فقط.
محمد شوكي لا يتحمل أخطاء الماضي وحده، لكنه يتحمل مسؤولية إدارة الحاضر.
وإذا كان هناك مناضلون يرون أن الوجوه القديمة أصبحت أكثر حضوراً من التنظيم، أو أن بعض «الشيوخ» ما زالوا يمسكون بخيوط اللعبة، فإن الحل ليس في المناوشات الداخلية ولا في التسريبات، بل في إعادة بناء الثقة داخل الحزب.
فالمناضل لا يريد أن يكون مجرد رقم انتخابي يُستدعى يوم الاقتراع ثم يُنسى بعد إعلان النتائج.
يريد أن يعرف: من يقرر؟ كيف تُمنح التزكيات؟ من يضع الخريطة الانتخابية؟ وهل الحزب مؤسسة يتساوى داخلها الجميع، أم أن بعض الأسماء أصبحت أكبر من المؤسسة؟
وهنا بالضبط يكمن امتحان محمد شوكي.
فإذا كان أخنوش قد سلّم القيادة، فعلى شوكي أن يثبت أن الحزب لم يتسلم فقط كرسي الرئاسة، وإنما تسلم معه مفاتيح القرار.
أما إذا بقيت الوجوه نفسها، والنفوذ نفسه، وطريقة التدبير نفسها، والتدخلات نفسها، فإن تغيير الرئيس سيكون مجرد تغيير في واجهة بناية سياسية، لا أكثر.
والانتخابات لا ترحم.
فالناخب المغربي لا يصوّت للبلاغات، ولا للتنظيمات على الورق، ولا للصور الجماعية. إنه يصوّت لمن يثق به، ولمن يراه قادراً على الدفاع عن مصالحه.
ومن هنا نقول للأحرار: لا تخافوا من الاستقالات بقدر ما تخافون من أسبابها إن كانت حقيقية.
ولا تخافوا من انتقال المنتخبين بقدر ما تخافون من أن يصبح الانتقال ظاهرة.
ولا تخافوا من فوزي لقجع أو غيره بقدر ما تخافون من أن تتحول المعركة بين القيادات إلى معركة تأكل من رصيد الحزب أمام الناخب.
أما التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي، فقد يكون مجرد حادثة عابرة، وقد يكون أيضاً مرآة عكست حجم التوتر الذي يسبق الانتخابات.
والأيام المقبلة وحدها ستكشف ذلك.
لكن المؤكد أن «الحمامة» تدخل انتخابات 23 شتنبر وهي مطالبة بالدفاع عن حصيلة خمس سنوات من تدبير الحكومة، وفي الوقت نفسه بإقناع المغاربة بأن انتقال القيادة من أخنوش إلى شوكي لم يكن مجرد انتقال أسماء، بل انتقالاً حقيقياً نحو مؤسسة حزبية أكثر استقلالاً وتماسكاً.
ومن هنا نطرح السؤال الذي قد لا يعجب بعض التجمعيين، لكنه يعجبنا في «بيتنا الآن»:
هل كان عزيز أخنوش هو التجمع الوطني للأحرار، أم أن التجمع الوطني للأحرار كان أكبر من عزيز أخنوش؟
إذا كان الحزب أكبر من الأشخاص، فسوف يصمد أمام العواصف.
أما إذا كان الأشخاص أكبر من الحزب، فإن أول اختبار انتخابي حقيقي بعد أخنوش قد يكشف الحقيقة.
والصناديق وحدها لا تكذب.
بقلم: «بيتنا الآن»
الخبر مقدس والتعليق حر