عجيبٌ أمر بعض الأمناء العامين للأحزاب السياسية، وهم يدخلون مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، بعد أن فوّضهم المجلس الوطني لأحزابهم للتفاوض باسمها حول المشاركة في السلطة التنفيذية.
المفترض أن تكون هذه المفاوضات محطةً لتقديم البرامج والأفكار والكفاءات، والدفاع عن القطاعات التي يرى الحزب أنه قادر على تدبيرها بما يخدم المصلحة العامة، لا أن تتحول إلى سوقٍ لتوزيع الحقائب الوزارية وفق حسابات شخصية أو تصفية خصومات قديمة.
لكن ما يثير الاستغراب، بل يدعو إلى طرح علامات استفهام كبيرة، هو إصرار أحد الأحزاب على الحصول على ثلاث حقائب وزارية، من بينها قطاع الاتصال كشرط أساسي، في الوقت الذي يوجد فيه أمينه العام، منذ مدة، في صراع إعلامي مفتوح مع رجل إعلام يمتلك مؤسسة إعلامية وازنة، تحظى بمتابعة واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي، وقد سبق أن تبادل الطرفان الاتهامات والانتقادات على مرأى ومسمع من الرأي العام.
وهنا يحق للرأي العام أن يسأل، بكل وضوح:
لماذا الاتصال بالضبط؟
هل لأن الحزب يمتلك تصوراً إصلاحياً متكاملاً لهذا القطاع؟
هل لأنه يريد إنقاذ الإعلام الوطني وتطوير مؤسساته وحماية استقلاليته؟
هل لديه برنامج للنهوض بالصحافة والإعلام العمومي والخاص، وتعزيز المهنية وتكافؤ الفرص؟
أم أن هناك حسابات أخرى لا علاقة لها بالبرنامج الحكومي؟
نحن لا نتهم أحداً، ولا نصدر أحكاماً مسبقة، ولكن السياسة الديمقراطية لا تخاف من الأسئلة، والحكومة التي ستولد من رحم هذه المفاوضات لا ينبغي أن تحمل في داخلها بذور صراعات شخصية أو حزبية يمكن أن تنفجر من داخلها في اليوم الأول.
فالوزارة ليست ملكاً للحزب، والقطاع الوزاري ليس أداةً للانتقام، والإعلام الوطني ليس ساحةً لتصفية الحسابات.
ومن الخطير جداً أن يُنظر إلى حقيبة الاتصال باعتبارها وسيلة للتحكم في المشهد الإعلامي أو الضغط على مؤسسة إعلامية بسبب خلافات سابقة بين مسؤول حزبي وأحد الفاعلين الإعلاميين.
إن حدث ذلك، لا قدر الله، فنحن لا نكون أمام ممارسة سياسية سليمة، وإنما أمام انحراف خطير في مفهوم السلطة.
الحكومة المقبلة ليست حكومة أحزاب فقط، وإنما حكومة دولة، ومسؤوليتها الأولى هي خدمة المغاربة، واحترام الدستور والقانون، وضمان التعددية، وحماية حرية التعبير والصحافة، وعدم تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات في صراعات الأشخاص.
ولهذا فإن رئيسة الحكومة المعينة، والطاقم الذي يشرف على مفاوضات تشكيل الأغلبية، مطالبون بأقصى درجات اليقظة.
فالحقائب الوزارية لا ينبغي أن تمنح مقابل الولاء، ولا لتسوية الخلافات، ولا لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، وإنما بناءً على الكفاءة والبرنامج والقدرة على تدبير القطاعات وتحمل المسؤولية أمام الملك والشعب والبرلمان.
أما أن يدخل حزب إلى الحكومة وفي جعبته خصومات إعلامية سابقة، ثم يضع حقيبة الاتصال في مقدمة مطالبه، فذلك يستحق أكثر من مجرد ملاحظة عابرة.
إنه سؤال يتعلق بأخلاقيات ممارسة السلطة.
والأخطر من ذلك أن تكون الحكومة الجديدة قد ولدت من رحم تحالفات هشة، ثم تجد نفسها منذ أسابيعها الأولى أمام معارك جانبية مع مؤسسات إعلامية أو صحافيين أو فاعلين في المشهد الإعلامي.
لقد ملّ المغاربة من السياسة حين تتحول إلى تصفية حسابات، ومن الأحزاب حين تجعل من الدولة غنيمة، ومن المناصب وسيلة لخدمة الأشخاص بدل خدمة الوطن.
الوزارة تكليف وليست تشريفاً، والاتصال أمانة وليس سلاحاً.
ومن أراد دخول الحكومة فليدخلها ببرنامج، وليدافع عن اختياراته السياسية تحت قبة البرلمان، وليقدم للمغاربة حصيلة عمله.
أما أن يُفهم من الإصرار على حقيبة بعينها أن وراء الأكمة ما وراءها، فهنا يصبح من حق الرأي العام أن يسأل، ومن واجب رئيسة الحكومة أن تتأكد، قبل أن تضع آخر حجر في بناء الأغلبية الحكومية.
فالحكومة التي تبدأ بتصفية الحسابات، لا يمكن أن تنتهي بخدمة الوطن.
وهذه ليست معركة بين حزب ومؤسسة إعلامية؛ إنها مسألة أكبر من ذلك بكثير:
هل نريد إعلاماً يخدم الدولة والمجتمع، أم نريد وزارة إعلام تُستخدم لخدمة خصومات السياسيين؟
الجواب يجب أن يكون واضحاً منذ البداية.
«بيتنا الآن» الخبر مقدس والتعليق حر