مذكرة تقييم المستخدمين بالوكالة العقارية… هل أصبح المدير الذي لا يعرف الموظف أحقَّ بتقييمه ممن يعايشه طوال السنة؟ مذكرة رقم 53821/1 بتاريخ 30 شتنبر 2026 تفتح باباً واسعاً للأسئلة… وتضع مصير آلاف المستخدمين أمام علامة استفهام كبيرة

في الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، يبدو أن موسم تقييم المستخدمين برسم سنة 2026 قد بدأ، لكن معه بدأ أيضاً سؤال أكبر من مجرد نقطة تمنح هنا أو تعدل هناك:

من يملك فعلاً حق تقييم الموظف؟ ومن يتحمل مسؤولية النقطة التي ستصبح غداً مفتاحاً لترقيته أو سبباً في تأخيرها؟

المذكرة رقم 53821/1 بتاريخ 30 شتنبر 2026، الموجهة إلى المسؤولين بالإدارات المركزية والمصالح الخارجية، تطرح إشكالاً يستحق التوقف عنده بجدية، خصوصاً في ما يتعلق بالمرحلة التي تلي تقييم الرئيس المباشر، حيث تفتح المجال أمام الرؤساء التسلسليين للمصادقة على النقطة أو تعديلها عند الاقتضاء.

وهنا، بالضبط، يوجد بيت القصيد.

فالرئيس المباشر هو الذي يعيش مع الموظف تفاصيل سنة كاملة: يراقب حضوره وانضباطه، يعرف مردوديته، يتابع احترامه للتوقيت، يعاين تعامله مع زملائه، ويرى كيف يتعامل مع المرتفقين، ويتابع إنجاز الملفات والمسؤوليات الموكولة إليه.

إنه، ببساطة، الرقيب الإداري الأقرب إلى الموظف والأكثر التصاقاً بعمله اليومي.

فكيف يمكن، بعد ذلك، أن تصبح نقطة هذا الرئيس مجرد مشروع قابل للتعديل من طرف مسؤول تسلسلي قد يكون بعيداً عن تفاصيل العمل اليومية لذلك الموظف؟

وهنا لا بد من طرح السؤال بكل وضوح:

إذا كان الرئيس التسلسلي يملك حق تعديل النقطة كما يشاء، فما جدوى التقييم الذي أنجزه الرئيس المباشر أصلاً؟

ولنفترض أن رئيساً مباشراً، بعد سنة كاملة من المعايشة والمراقبة، منح مستخدماً النقطة التي يستحقها، ولتكن مثلاً 20/20، ثم جاء مسؤول تسلسلي لم يعايش ذلك المستخدم ولم يتابع أداءه اليومي، فخفضها إلى 19 أو 18.

ما هو الأساس الموضوعي لهذا التخفيض؟

هل تمت معاينة الموظف ميدانياً؟

هل تم استدعاؤه والاستماع إليه؟

هل توجد تقارير أو ملاحظات مكتوبة تثبت أن النقطة الأولى غير مستحقة؟

هل هناك معايير موحدة ومعلنة تبرر التعديل؟

أم أن الأمر متروك لتقدير المسؤول التسلسلي؟

هذه ليست أسئلة شكلية.

إنها أسئلة تمس المسار المهني والحقوق المعنوية والمادية للمستخدم، لأن النقطة ليست رقماً عابراً في ورقة إدارية؛ قد تكون لها آثار مباشرة أو غير مباشرة على الترقية والتحفيز والمسار المهني.

والأخطر أن هذه الإشكالية تصبح أكثر حساسية في المصالح الخارجية، حيث يعمل المحافظون على الأملاك العقارية ورؤساء مصالح المسح العقاري والمستخدمون في ظروف وضغط مهني لا يحتاج إلى كثير من الشرح.

هناك موظفون يستقبلون المرتفقين يومياً، ويعالجون مئات الملفات، ويتحملون ضغط المواطنين والمهنيين والإدارات، ويواجهون مسؤوليات مهنية دقيقة، بينما قد يكون تقييمهم النهائي معرضاً للتغيير من مستوى إداري أبعد عن واقع المصلحة.

فهل الإدارة بالبعد عن الميدان، أم بالمعرفة الدقيقة بالميدان؟

إذا كانت النقطة التي يمنحها الرئيس المباشر قابلة للتعديل دون تعليل واضح ومكتوب، فإن السؤال يصبح مشروعاً:

لماذا لا يتولى المدير أو المسؤول التسلسلي عملية التقييم منذ البداية، ويتحمل هو مسؤوليتها كاملة؟

أما أن يقوم الرئيس المباشر بالتقييم، ثم يأتي مسؤول آخر ليغير النتيجة، فإن الأمر يحتاج إلى ضوابط دقيقة حتى لا يتحول “التعديل عند الاقتضاء” إلى سلطة مفتوحة على النقطة.

نحن لا نقول إن الرئيس المباشر معصوم من الخطأ، ولا نقول إن الرئيس التسلسلي ممنوع من مراقبة التقييم.

بل نقول شيئاً أبسط وأخطر في الوقت نفسه:

إذا كان هناك تعديل، فليكن استثنائياً، ومبنياً على معايير موضوعية، ومعللاً، وقابلاً للمراجعة، لا مجرد رقم جديد يسقط على الموظف من فوق.

فالعدالة الإدارية لا تعني فقط أن تكون هناك مسطرة للتقييم؛ وإنما تعني أيضاً أن تكون هذه المسطرة شفافة وقابلة للفهم، وأن يعرف الموظف لماذا حصل على هذه النقطة، ولماذا عُدلت إن عُدلت.

ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:

هل من الطبيعي أن يؤثر مسؤول مركزي في نقطة مستخدم يعمل في محافظة عقارية أو مصلحة للمسح العقاري في أقصى ربوع المملكة، بينما لم يعايشه ولم يتابع عمله ولم يزر مصلحته؟

المسافة الجغرافية ليست هي المشكلة… المشكلة هي المسافة عن حقيقة الأداء.

والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية مؤسسة وطنية كبيرة، ولا يمكن أن تبنى العدالة داخلها على الانطباعات، ولا على السلطة التقديرية غير المؤطرة، ولا على تعديلات لا يعرف أصحابها أسبابها.

أما المستخدمون في المصالح الخارجية، فنقول لهم:

أنتم لستم أرقاماً في جداول التقييم.

أنتم الذين تحملون يومياً ضغط الملفات والمرتفقين والمسؤوليات، وأنتم الذين تشتغلون في الميدان، في حين أن القرار الإداري يجب أن يظل مرتبطاً دائماً بالواقع الذي ينتج عنه.

ولهذا، فإن المطلوب ليس إلغاء الرقابة التسلسلية، وإنما إعادة ضبطها:

أن يكون الأصل هو اعتماد تقييم الرئيس المباشر باعتباره المسؤول الأقرب إلى الموظف، وأن يكون تدخل الرئيس التسلسلي للتعديل مبنياً على سبب موضوعي ومحدد، وأن يكون كل تعديل معللاً ومثبتاً وقابلاً للمراجعة.

فلا يعقل أن تكون نقطة الموظف قابلة للرفع والخفض دون أن يعرف لماذا.

ولا يعقل أن يصبح رقم واحد، انتقل من 20 إلى 19 أو من 19 إلى 18، سبباً في تغيير مسار مهني لمستخدم أفنى سنة كاملة في أداء واجبه.

هذه ليست معركة أرقام… إنها معركة عدالة إدارية.

وإذا كانت الإدارة تريد أن تقيس أداء موظفيها، فلتقسه بالمعايير، وبالإنجاز، وبالمردودية، وبالانضباط، وبالواقع الميداني، لا بمجرد سلطة التوقيع.

أما أن يشتغل المستخدم سنة كاملة، ويقيمه رئيسه المباشر، ثم يجد نقطته قد تغيرت دون أن يعرف لماذا، فهنا يحق لنا أن نسأل:

أين هي العدالة؟ وأين هي الحكامة؟ وأين هو تكافؤ الفرص؟

إن مستخدمي الوكالة، وخصوصاً العاملين بالمصالح الخارجية، يستحقون منظومة تقييم تمنحهم الثقة والإنصاف، لا منظومة تجعل مستقبلهم المهني رهيناً بنقطة يمكن تعديلها دون تفسير واضح.

فالنقطة أمانة… والترقية مسؤولية… ومصير الموظف ليس ورقة قابلة للمحو وإعادة الكتابة.

وإذا كانت مذكرة 53821/1 بتاريخ 30 شتنبر 2026 قد فتحت باب التعديل، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح الآن وبصوت مرتفع هو:

ما هي الضمانات التي تمنع تحول هذا التعديل من آلية للمراقبة إلى أداة للإضرار بالمسار المهني للمستخدم؟

ذلك هو السؤال الحقيقي.

والجواب عنه لا ينبغي أن يكون بالصمت، بل بالتوضيح، والتعليل، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالموظف الذي يُحاسب على نقطة تقييمه، من حقه أيضاً أن يعرف: من غيّرها؟ ولماذا غيّرها؟ وعلى أي أساس؟

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا