بحماس كبير ومعنويات مرتفعة، لكنها في العمق تبدو خالية من أي رؤية حقيقية لمعالجة الاختلالات الاجتماعية، سارعت بعض الفرق والمجموعة النيابية بمجلس النواب إلى المطالبة بإحداث لجنة لتقصي الحقائق حول الارتفاع المهول الذي عرفته أسعار الأضاحي. وقد يبدو هذا الطلب في ظاهره دفاعاً عن مصالح المواطنين، غير أن القراءة المتأنية للسياق والتوقيت تطرح أكثر من علامة استفهام حول جدواه وأهدافه الحقيقية.
فلو أن هذه المبادرة جاءت خلال السنة الأولى أو الثانية من الولاية التشريعية، أو حتى قبل عام كامل من نهايتها، لكان بالإمكان اعتبارها آلية رقابية مشروعة تروم الكشف عن الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع الأسعار وترتيب المسؤوليات السياسية والاقتصادية. أما اليوم، وقد دخل مجلس النواب أسابيعه الأخيرة ولم يتبق من عمره سوى بضعة أشهر معدودة، فإن الحديث عن لجنة لتقصي الحقائق يبدو أقرب إلى ممارسة سياسية ذات طابع انتخابي منه إلى إرادة فعلية في البحث عن الحقيقة.
إن لجان تقصي الحقائق ليست مجرد عناوين للاستهلاك الإعلامي أو شعارات ترفع عند اشتداد الاحتقان الاجتماعي، بل هي آليات دستورية تحتاج إلى الوقت الكافي والظروف المناسبة لإنجاز مهامها والخروج بتوصيات قابلة للتنفيذ. فكيف يمكن للجنة من هذا النوع أن تحقق أهدافها في زمن تشريعي يكاد ينتهي؟ وكيف ستتمكن من الاستماع إلى مختلف المتدخلين وجمع المعطيات وصياغة تقرير متكامل قبل إسدال الستار على هذه الولاية البرلمانية؟
لقد اعتادت بعض الأحزاب، كلما برزت أزمة اجتماعية أو اقتصادية، على رفع سقف الخطاب السياسي وتوجيه سهام النقد نحو الحكومة، مع توظيف مكثف لوسائل التواصل الاجتماعي وما أصبح يعرف بـ”الذباب الإلكتروني”، في محاولة لتقديم نفسها كمدافع وحيد عن مصالح المواطنين. غير أن المواطن المغربي أصبح أكثر وعياً من أي وقت مضى، وأقدر على التمييز بين المبادرات الجادة والمناورات السياسية التي لا تتجاوز حدود البروباغندا الانتخابية.
فالمواطن الذي اكتوى بنار الغلاء لا يبحث اليوم عن بيانات سياسية أو عن لجان قد لا ترى نتائجها النور، بل ينتظر حلولاً عملية وإجراءات ملموسة تخفف من أعبائه اليومية. وهو يدرك أن المسؤولية في تدبير الشأن العام لا تقتصر على الحكومة وحدها، بل تشمل أيضاً المؤسسة التشريعية التي تمتلك وسائل الرقابة والمساءلة طوال سنوات الولاية، وليس فقط في لحظاتها الأخيرة.
إن المغاربة ينتظرون من ممثليهم الصدق والوضوح وتحمل المسؤولية، لا الركوب على موجات الغضب الاجتماعي كلما اقترب موعد الانتخابات. فالتاريخ السياسي لا يكتب بالشعارات، بل بالمواقف والإنجازات. أما الحساب الحقيقي، فسيكون أمام صناديق الاقتراع، حيث سيمنح الناخب المغربي كلمته الفصل في تقييم أداء الجميع، حكومةً ومعارضةً، خلال الاستحقاقات المقبلة.
وعندما يحين الموعد الانتخابي، سيكون المواطن هو الحكم، وستكون ذاكرته أقوى من كل الخطابات الموسمية، لأنه يعرف جيداً من اشتغل من أجل مصالحه طوال الولاية، ومن تذكره فقط عندما اقترب موعد العودة إلى طلب صوته من جديد.