يخلد الشعب المغربي، في الحادي والعشرين من غشت من كل سنة، عيد الشباب المجيد، الذي يتزامن مع ذكرى ميلاد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في مناسبة وطنية تتجاوز بعدها الاحتفالي لتشكل محطة لاستحضار مسار أكثر من ربع قرن من العمل المتواصل من أجل بناء مغرب حديث، قوي بمؤسساته، متماسك بمجتمعه، ومتطلع بثقة إلى المستقبل.
وفي عيد الشباب الـ63، لا يتعلق الأمر فقط بذكرى ميلاد ملك البلاد، وإنما بوقفة أمام حصيلة مسار ملكي جعل من الإنسان المغربي محوراً للتنمية، ومن العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية ورهان التحديث الاقتصادي والاجتماعي عناوين كبرى للعهد الجديد.
منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، دخل المغرب مرحلة جديدة، اتسمت بإطلاق أوراش كبرى غيرت ملامح البلاد، وأعادت ترتيب أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، وفتحت أمامها آفاقاً واسعة للاستثمار والانفتاح والتنافسية.
اقتصادياً.. مغرب الأوراش الكبرى
لقد عرف المغرب في عهد جلالة الملك تحولات اقتصادية عميقة، تجسدت في تطوير البنيات التحتية، وتوسيع شبكة الطرق السيارة والسكك الحديدية والموانئ والمطارات، وإطلاق مشاريع استراتيجية جعلت المملكة منصة اقتصادية وصناعية ذات امتداد إفريقي ودولي.
وكان ميناء طنجة المتوسط أحد أبرز عناوين هذه الرؤية، إلى جانب صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة، والاستثمارات الكبرى في الطاقات الشمسية والريحية، وتطوير البنيات اللوجستيكية، بما عزز موقع المغرب في سلاسل الإنتاج العالمية.

كما شكل الميناء الأطلسي الكبير بالداخلة ومشاريع الأقاليم الجنوبية جزءاً من رؤية تنموية تتجاوز منطق تدبير المجال إلى تحويل الصحراء المغربية إلى فضاء اقتصادي واستثماري منفتح على العمق الإفريقي.
ولم تكن التنمية الاقتصادية منفصلة عن البعد الإفريقي؛ فقد جعل جلالة الملك من عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، ومن توطيد علاقاته مع الدول الإفريقية، مدخلاً لشراكة جنوب-جنوب تقوم على الاستثمار والتنمية وتقاسم الخبرات.
اجتماعياً.. الإنسان أولاً
إذا كان الاقتصاد قد عرف تحولات كبرى، فإن البعد الاجتماعي ظل في صلب المشروع الملكي.
فقد أطلق جلالة الملك ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي استهدفت محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء وتحسين ظروف عيش الفئات الأكثر حاجة.
ثم جاء ورش تعميم الحماية الاجتماعية باعتباره واحداً من أكبر المشاريع الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث، بهدف توسيع الاستفادة من التغطية الصحية والحماية الاجتماعية، وصولاً إلى بناء منظومة أكثر شمولاً وإنصافاً.
كما حظيت الأسرة والمرأة والطفولة والأشخاص في وضعية هشاشة بعناية خاصة، ضمن تصور يعتبر التنمية الحقيقية هي التي تصل آثارها إلى المواطن في المدينة والقرية والمناطق الجبلية والأقاليم الجنوبية على حد سواء.
تعليمياً.. الرهان على الإنسان
ولأن بناء المستقبل لا يمكن أن يتم من دون مدرسة قوية، جعل جلالة الملك إصلاح منظومة التربية والتكوين محوراً أساسياً من محاور التنمية.
وتوالت مشاريع إصلاح التعليم، وتأهيل المؤسسات التعليمية، وتوسيع العرض المدرسي، ودعم التعليم الأولي، وتطوير التكوين المهني، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.
وإن كان إصلاح التعليم ورشاً مفتوحاً يحتاج دائماً إلى المزيد من العمل، فإن الرهان الملكي ظل واضحاً: لا يمكن بناء اقتصاد قوي ومجتمع متقدم من دون رأسمال بشري مؤهل وقادر على الابتكار والمنافسة.
رياضياً.. من الإنجازات إلى صناعة الأبطال
وفي المجال الرياضي، لم يعد المغرب مجرد بلد يشارك في المنافسات الدولية، بل أصبح حاضراً بقوة في عدد من الرياضات، وخاصة كرة القدم.
وقد شكل تطوير البنيات الرياضية، وأكاديميات التكوين، ودعم الرياضة المدرسية، والاهتمام بالفئات الصغرى، أساساً لظهور جيل جديد من الأبطال والمنتخبات الوطنية.
ولعل الإنجازات التي حققتها كرة القدم المغربية، وصولاً إلى الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم 2022 بقطر وبلوغه نصف النهائي، ثم النتائج المتقدمة التي واصلت مختلف المنتخبات الوطنية تحقيقها، تؤكد أن الاستثمار في الإنسان والبنية الرياضية بدأ يعطي ثماره.
كما أن احتضان المغرب لتظاهرات رياضية كبرى، والاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، يعكس الثقة الدولية المتزايدة في المملكة وقدرتها التنظيمية وبنياتها التحتية.
ثقافياً.. هوية تتجدد ولا تنغلق
وفي المجال الثقافي، شهد المغرب خلال العهد الجديد اهتماماً متزايداً بالتراث الوطني، وبالصناعات الثقافية، وبالمتاحف والمراكز الثقافية والمهرجانات، مع الحرص على تثمين التنوع الثقافي واللغوي للمملكة.
فالمغرب الذي ينفتح على العالم لا يتخلى عن هويته، بل يجعل من تعدده الثقافي والحضاري مصدر قوة وثراء.
ومن الأندلسي إلى الأمازيغي، ومن الحساني إلى العربي والإفريقي، يواصل المغرب تقديم نموذج لهوية وطنية جامعة، تستند إلى تاريخ عريق وتتطلع إلى المستقبل بثقة.
وفي الصحراء المغربية.. التنمية عنوان السيادة
ولعل من أبرز التحولات التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، ما تعرفه الأقاليم الجنوبية من أوراش تنموية كبرى.
فقد انتقلت مدن الصحراء المغربية من منطق تدبير الحاجيات الأساسية إلى منطق بناء أقطاب اقتصادية وتنموية متكاملة، عبر مشاريع في الطرق والموانئ والطاقة والماء والصحة والتعليم والاستثمار.
إن ميناء الداخلة الأطلسي، ومشاريع الربط الطرقي والطاقي، والاستثمارات المتزايدة في الأقاليم الجنوبية، ليست مجرد مشاريع اقتصادية؛ إنها تعبير عملي عن رؤية تجعل من التنمية رافعة للاندماج الوطني والإقليمي، ومن الصحراء المغربية جسراً نحو العمق الإفريقي.
المغرب الذي نعيشه اليوم
إن الحديث عن 63 سنة من عمر جلالة الملك محمد السادس لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تعداد للمشاريع، لأن قيمة المنجز لا تقاس فقط بعدد الأوراش، وإنما بما أحدثه من تحول في صورة المغرب ومكانته.
لقد أصبح المغرب اليوم حاضراً في صناعة السيارات والطائرات، وفي الطاقات المتجددة، وفي الموانئ واللوجستيك، وفي الصناعات الحديثة، وفي الرياضة والثقافة، وفي الدبلوماسية الاقتصادية، وفي إفريقيا والعالم.
وبالتوازي مع ذلك، يستمر العمل على معالجة الاختلالات الاجتماعية والمجالية، لأن التنمية ليست محطة يصل إليها بلد مرة واحدة، وإنما مسار دائم يحتاج إلى الإصلاح والتقييم والتصحيح.
عيد الشباب.. عيد المستقبل
إن عيد الشباب في عهد جلالة الملك محمد السادس ليس فقط عيداً لذكرى ميلاد ملك، وإنما هو أيضاً عيد لشباب مغربي يشكل مستقبل البلاد.
شباب يطلب المدرسة الجيدة، والجامعة المنتجة للمعرفة، والتكوين المؤهل، وفرص الشغل، والرياضة، والثقافة، والابتكار، والعيش الكريم.
ومن هنا، فإن أكبر تحد أمام مغرب اليوم ليس فقط المحافظة على ما تحقق، وإنما تحويل هذه المنجزات إلى قاعدة لمغرب أكثر عدلاً وتنافسية، وأكثر قدرة على خلق الثروة وتوزيعها، وأكثر إنصاتاً إلى انتظارات أجياله الجديدة.
وفي ذكرى ميلاد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تقف «بيتنا الآن» عند مسيرة 63 سنة، لا باعتبارها رقماً في التقويم، وإنما باعتبارها مناسبة لاستحضار مسار ملكي امتد لأكثر من ربع قرن، حمل معه أوراشاً كبرى وتحولات عميقة، وجعل من المغرب ورشاً مفتوحاً على المستقبل.
فكل عام وجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وأيده، وأطال في عمره، وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وبصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وسائر الأسرة الملكية الشريفة.
وكل عام والمغرب، ملكاً وشعباً، أكثر قوة ووحدة وازدهاراً.
بيتنا الآن
الخبر مقدس والتعليق حر