المحافظة على الاملاك العقارية بالقنيطرة تحت الصدمة: هل صارت الإدارات العمومية رهينة لمنطق ‘اضرب… ثم تفاخر بنفوذك؟

ما حدث داخل مصلحة المحافظة العقارية بالقنيطرة ليس حادثاً عرضياً، ولا “سوء تفاهم” عابراً كما قد يحاول البعض تسويقه، بل هو جريمة مكتملة الأركان في حق الدولة نفسها. نعم، في حق الدولة، لأن الاعتداء على موظف عمومي أثناء مزاولة مهامه ليس مجرد اعتداء على شخص، بل هو اعتداء مباشر على هيبة القانون وعلى سلطة المؤسسات.

أن يقتحم منعش عقاري مرفقاً عمومياً، ويصب وابلاً من السب والشتم على مسؤول إداري، ثم يمد يده عليه جسدياً لأنه رفض خرق القانون… فذلك ليس فقط سلوكاً منحطاً، بل إعلان صريح عن منطق خطير: “إما أن توقع… أو نكسر هيبة القانون داخل مكتبك”.

الأخطر، والأكثر إثارة للغضب، هو ذلك الشعور المرضي بالإفلات من العقاب. حين يتحول الحديث عن “النفوذ” و”العلاقات” إلى سلاح يُشهر في وجه الإدارة، فهنا نكون أمام انزلاق خطير نحو دولة الامتيازات، لا دولة المؤسسات. وحين يعتقد البعض أن صلة قرابة أو موقعاً سياسياً يمكن أن يحميه من المساءلة، فإننا أمام منطق يجب كسره، لا التعايش معه.

أي رسالة نبعثها اليوم إن مرّ هذا الاعتداء مرور الكرام؟

أي ثقة ستبقى لدى الموظف العمومي وهو يرى زميله يُهان ويُضرب لأنه طبّق القانون؟

وأي صورة سنقدمها للمواطن حين يصبح احترام المساطر القانونية سبباً في التعنيف بدل أن يكون قاعدة محمية؟

إن التذرع بشهادة طبية والتخلف عن المثول أمام النيابة العامة، في هذا السياق، لا يمكن قراءته إلا كامتداد لذهنية التمرد على القانون، ومحاولة ربح الوقت في انتظار تدخلات من “فوق”. وهي ممارسات إن تم التساهل معها، فسنكون أمام سابقة خطيرة تفتح الباب أمام كل من تسول له نفسه تحويل الإدارات إلى ساحات عربدة.

لكن، وعلى قدر خطورة الواقعة، فإن الرهان اليوم أكبر: هل ستُفعّل دولة القانون أدواتها كاملة؟ أم سنُفاجأ بمنطق التخفيف، والتبرير، وربما التمييع؟

النيابة العامة بالقنيطرة أمام اختبار حقيقي، لا يخص هذا الملف فقط، بل يهم صورة العدالة وهيبتها. فإما أن تضرب بيد من حديد على هذا النموذج الصارخ للاعتداء، وتعيد الاعتبار لموظفي الدولة، أو نكون قد بعثنا برسالة مدمرة مفادها أن من يملك “الظهر” يمكنه أن يفعل ما يشاء.

إن كرامة الموظف العمومي ليست موضوع تفاوض، وهيبة الإدارة ليست خياراً، بل شرط وجود الدولة نفسها. وكل تهاون في هذه القضية هو تواطؤ غير مباشر مع الفوضى.

لقد آن الأوان لوضع حد لأسطورة “أنا فوق القانون”.

فالدولة التي لا تحمي موظفيها… تفتح الباب لسقوط هيبتها، قطعة قطعة.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد