“عندما تتحول الإسمنت إلى جريمة منظمة: سقوط بارون البناء في فخ التزوير بالدار البيضاء”

في مشهد يعيد إلى الواجهة أعطاب قطاع التعمير بالمغرب، شهدت أروقة محكمة الاستئناف بالدار البيضاء تقديم أحد أبرز المنعشين العقاريين، المعروفين بنفوذهم وشهرتهم داخل العاصمة الاقتصادية، رفقة نجله و10 متورطين آخرين، أمام أنظار الوكيل العام للملك، وذلك على خلفية ملف ثقيل يتعلق بتزوير رخص وتصاميم بناء تخص عمارة شاهقة بشارع عبد المومن، وصلت إلى 12 طابقاً، في خرق سافر للقوانين الجاري بها العمل.

هذه القضية، التي باشرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ليست مجرد واقعة معزولة، بل تكشف عن بنية معقدة من التواطؤات المحتملة، حيث تتقاطع المصالح بين المال والنفوذ، وتُختزل القوانين في مجرد أوراق قابلة للتزوير. فكيف يمكن لعمارة بهذا الحجم أن تُشيَّد بتصاميم مزورة، دون أن تمر عبر قنوات المراقبة المفترضة؟ وأين كانت أعين الجهات المختصة طيلة مراحل الإنجاز؟

إن ما يثير الانتباه في هذا الملف ليس فقط حجم الخروقات، بل طبيعة الشخص المتابع، والذي راكم ثروة وشهرة واسعة في مجال الإنعاش العقاري، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة العلاقات التي قد تكون وفّرت له غطاءً غير مباشر للاستمرار في تجاوز الضوابط القانونية. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بخرق قانون التعمير، بل تمتد إلى شبهة تكوين شبكة منظمة قد تكون استباحت المجال الحضري، وضربت في العمق مبدأ تكافؤ الفرص بين المنعشين.

لقد تحولت بعض المشاريع العقارية، في ظل غياب رقابة صارمة وفعالة، إلى قنابل عمرانية موقوتة، لا تهدد فقط جمالية المدينة، بل سلامة قاطنيها أيضاً. فالبناء العشوائي المغلف برخص مزورة يفتح الباب أمام كوارث محتملة، خاصة حين يتعلق الأمر ببنايات شاهقة لا تحترم معايير السلامة الهندسية.

وفي الوقت الذي تبذل فيه الدولة جهوداً لتأهيل المدن الكبرى، وتحسين جاذبيتها الاستثمارية، تأتي مثل هذه الممارسات لتنسف تلك الجهود من الداخل، وتضرب في مصداقية المؤسسات المكلفة بضبط قطاع حيوي كالتعمير. فهل نحن أمام حالات معزولة، أم أمام منظومة تحتاج إلى مراجعة جذرية؟

إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في متابعة المتورطين وترتيب الجزاءات القانونية، بل في فتح نقاش عمومي جاد حول سبل إصلاح منظومة التعمير، وتعزيز آليات المراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول مدننا إلى فضاءات للفوضى المقننة.

إن ما جرى بشارع عبد المومن ليس مجرد خبر عابر، بل ناقوس خطر يدق بقوة، مطالباً بإعادة ترتيب الأولويات، ووضع حد لكل أشكال التسيب التي قد تجعل من الإسمنت وسيلة للإثراء غير المشروع، على حساب القانون وسلامة المواطنين.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد