مَنْ يَكْذِبُ عَلَى الْمَغَارِبَة؟ لَقْجَع أَمِ الأَزْمِي؟!

مَنْ يَكْذِبُ عَلَى الْمَغَارِبَة؟ لَقْجَع أَمِ الأَزْمِي؟!

حين يتحول وزير الميزانية السابق إلى محاضرٍ في الميزانية التي كان لقجع أحد أبرز أطرها

ما الذي يحدث بالضبط؟

هل نحن أمام نقاش جدي حول تدبير المال العام، أم أمام مباراة سياسية جديدة عنوانها: من يستطيع أن يصرخ أكثر في وجه المغاربة؟

خرج إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، في برنامج تلفزيوني، موجهاً انتقادات شديدة إلى فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، واتهمه، حسب ما نقلته وسائل إعلام، بـ«الضحك على المغاربة»، كما تحدث عن أموال وإعفاءات مرتبطة باستيراد الأغنام، محدداً أرقاماً قال إنها بلغت 50 مليار سنتيم، إضافة إلى 13 مليار درهم مرتبطة بالإعفاءات.

نحن هنا لا نريد الدفاع عن شخص ضد شخص، ولا تحويل صفحات الجريدة إلى محكمة سياسية..

لكننا نريد شيئاً واحداً فقط:

الحقيقة.

ولذلك نسأل إدريس الأزمي، بكل احترام، وباللغة التي يفهمها أهل الميزانية:

أين كنتَ عندما كان فوزي لقجع مديراً للميزانية وأنت وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية؟

هذا ليس سؤالاً اعتباطياً.

فالمعطيات الرسمية لوزارة الاقتصاد والمالية تؤكد أن فوزي لقجع عُيّن مديراً للميزانية في يناير 2011. وبعد ذلك، عُيّن إدريس الأزمي الإدريسي وزيراً منتدباً لدى وزير الاقتصاد والمالية مكلفاً بالميزانية في يناير 2012.

بل إن وثيقة رسمية لوزارة المالية حول ملتقى سنة 2012 كانت واضحة في تقديم الرجلين: إدريس الأزمي وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية، وفوزي لقجع مديراً للميزانية.

إذن، يا سيد الأزمي، أنتم تعرفون تضاريس الميزانية المغربية أكثر من كثيرين.

تعرفون كيف يولد مشروع قانون المالية.

تعرفون كيف تمر الاعتمادات بين القطاعات.

تعرفون الفرق بين إعداد الاعتماد المالي، والتأشير عليه، وفتحه، وتنفيذه، وصرفه، وتتبع آثاره.

وتعرفون قبل غيركم أن مدير الميزانية ليس هو الحكومة، وأن وزارة الميزانية ليست وزارة الفلاحة، وأن الاعتماد المالي لا يعني بالضرورة أن مدير الميزانية هو الذي يقرر وحده أين وكيف يُصرف المال.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط:

هل أعطى لقجع 50 مليار سنتيم للمستوردين؟

بل:

من اقترح؟ من قرر؟ من أدرج الاعتماد؟ من صادق؟ من نفذ؟ من استفاد؟ ومن راقب النتائج؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية.

أما أن نضع كل أموال الدولة في جيب رجل واحد، ثم نقول للمغاربة: لقجع أعطاهم الملايير، فهذه ليست قراءة للميزانية، وإنما اختزال سياسي لملف مالي وإداري معقد.

 

والأخطر من ذلك أن من يطرح هذا الكلام اليوم هو رجل سبق له أن جلس على كرسي الوزارة المكلفة بالميزانية، وكان فوزي لقجع، في تلك المرحلة، مديراً للميزانية داخل الوزارة نفسها.

فهل كان لقجع آنذاك يضع الميزانية وحده؟

هل كان يقرر وحده في الاعتمادات؟

هل كان يوزع المال العام على القطاعات كما يشاء؟

هل كان يقرر وحده في السياسة الفلاحية؟

وهل كان الوزير المكلف بالميزانية مجرد متفرج يجلس في مكتبه بينما مدير الميزانية يقرر كل شيء؟

نريد جواباً واضحاً من السيد الأزمي، وليس خطاباً انتخابياً.

لأن المغاربة ليسوا أطفالاً حتى تُقدم لهم الميزانية وكأنها دفتر شيكات في يد موظف واحد.

والأزمي يعرف ذلك جيداً.

يعرف أن إعداد الميزانية مسار مؤسساتي طويل، وأن وزارة الاقتصاد والمالية تعمل داخل منظومة حكومية، وأن القطاعات الوزارية تقدم حاجياتها وبرامجها، وأن الاعتمادات تمر عبر مساطر قانونية ومؤسساتية، وأن التنفيذ مسؤولية تتوزع بحسب الاختصاصات.

والغريب أن هذا النقاش يأتي اليوم في لحظة سياسية ساخنة، وقبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026

فهل نحن أمام مساءلة حقيقية للمال العام؟

 

أم أمام تصفية حسابات انتخابية بلباس مالي؟

نحن في «بيتنا الآن» لا نقول إن فوزي لقجع فوق المساءلة.

بالعكس.

إذا كانت هناك أموال عمومية صُرفت دون أثر، فليحاسَب المسؤول عنها.

وإذا كانت هناك إعفاءات استفاد منها مستوردون دون أن يصل أثرها إلى المواطن، فليُكشف المستفيدون.

وإذا كانت هناك اختلالات في منظومة دعم الأغنام، فليفتح التحقيق المالي والإداري والسياسي، ولتُنشر الأرقام كاملة أمام المغاربة.

لكن المساءلة شيء، وتوزيع الاتهامات شيء آخر.

ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية:

إذا كان فوزي لقجع، كما يقول الأزمي اليوم، مسؤولاً وحده عن كل هذه الأموال والقرارات، فماذا كان موقعه بالضبط عندما كان الأزمي نفسه وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية، ولقجع مديراً للميزانية؟

وهل كانت العلاقة بين الوزير ومدير الميزانية آنذاك تسمح لمدير الميزانية بأن يفعل ما يشاء دون علم الوزير؟

إن كان الجواب نعم، فهذه مصيبة في بنية الدولة المالية.

وإن كان الجواب لا، فعلى الأزمي أن يشرح للمغاربة لماذا يحمّل اليوم لقجع وحده مسؤولية منظومة حكومية وقرارات تتداخل فيها عدة مؤسسات وقطاعات.

هنا بالضبط تسقط الأقنعة.

لأن القضية لم تعد قضية «فراقشية» فقط

القضية أصبحت:

من يفهم الميزانية فعلاً، ومن يستعملها شعاراً في المعارك الانتخابية؟

فوزي لقجع قال إن دوره يرتبط بمجال الميزانية والاعتمادات، بينما تتوزع مسؤوليات التنفيذ على القطاعات الحكومية المعنية. وهذا التصريح يمكن مناقشته ونقده، بل يجب مساءلته إذا اقتضى الأمر.

لكن إدريس الأزمي، بحكم تجربته السابقة، مطالب أيضاً بأن يقدم للمغاربة الصورة كاملة، لا نصف الحقيقة.

فإذا كانت الـ50 مليار سنتيم قراراً من لقجع وحده، فليقدم لنا الوثيقة.

وإذا كانت الـ13 مليار درهم إعفاءات قررها لقجع وحده، فليقدم لنا المرسوم والقرار والجهة التي وقعت والجهة التي استفادت.

أما إطلاق الأرقام في الهواء، ثم مطالبة المغاربة بتصديقها لمجرد أن قائلاً سياسياً قالها في برنامج تلفزيوني، فهذا لا يكفي.

فالمال العام ليس مادة للمزايدة.

والميزانية ليست منصة انتخابية.

والمغاربة يستحقون الأرقام والوثائق والمسؤوليات المحددة، لا التراشق السياسي.

ومن هنا نقول للأزمي: أنت تعرف الميزانية، ولست غريباً عن دهاليزها.

فقل للمغاربة:

من كان يقرر؟

من كان يقترح؟

من كان يوقع؟

من كان ينفذ؟

ومن كان يراقب؟

ثم قل لنا، بصراحة كاملة:

هل كان فوزي لقجع، عندما كنت أنت وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية، هو الذي يعد الميزانية ويوزع أموال الدولة كما يشاء؟

إذا كان جوابك نعم، فأنت تفتح سؤالاً أكبر عن مرحلة كنت مسؤولاً فيها عن الميزانية.

وإذا كان جوابك لا، فعليك أن تشرح للمغاربة لماذا أصبح اليوم، فجأة، الرجل وحده عنوان كل ما وقع.

هنا فقط يمكن أن نعرف:

من يقرأ الميزانية؟

ومن يحاول فقط أن يقرأها على المغاربة كما يشتهي؟

أما «بيتنا الآن»، فموقفها واضح:

لا قداسة لأي وزير، ولا حصانة لأي سياسي، ولا حصانة لأي رقم.

نريد الحقيقة كاملة.

بالوثيقة.

بالرقم.

بالمسؤولية.

وبعيداً عن الانتخابات.

فالمغاربة لا يريدون أن يعرفوا من ربح المعركة الكلامية بين الأزمي ولقجع…

بل يريدون أن يعرفوا أين ذهبت أموالهم، ومن قرر صرفها، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها.

وهنا يبدأ التحقيق الحقيقي.

وهنا فقط يتوقف الضحك على المغاربة… أيّاً كان صاحبه.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد