من مكاتب الاتصال إلى السفارات: المغرب وإسرائيل يعيدان رسم خريطة المصالح في المنطقة

لم يكن قرار المغرب وإسرائيل الارتقاء بعلاقاتهما الدبلوماسية من مستوى مكاتب الاتصال إلى مستوى السفارات، وتعيين سفراء في البلدين، مجرد إجراء بروتوكولي لتغيير اللافتات على أبواب البعثات الدبلوماسية.

فالسياسة الخارجية لا تتحرك عادةً بلغة العواطف، وإنما بلغة المصالح، وحسابات الجغرافيا السياسية، وموازين القوة، والاقتصاد، والأمن، واستشراف ما قد تكون عليه المنطقة خلال السنوات المقبلة.

وإذا كان الإعلان عن هذا التطور قد تم في نيويورك، بحضور ومشاركة أمريكية، فإن الرسالة الأهم تكمن في أن واشنطن لم تكن مجرد متفرج على المسار، بل ظلت منذ انطلاق عملية التطبيع المغربية الإسرائيلية في سنة 2020 طرفاً داعماً لهذا المسار. وقد كانت الولايات المتحدة قد أعلنت آنذاك أن اتفاق المغرب وإسرائيل يندرج ضمن جهودها لتوسيع دائرة التطبيع، بالتوازي مع اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء.

فما الذي تغيّر اليوم؟

الجواب قد يكون في التحول من مرحلة اختبار العلاقات إلى مرحلة تثبيتها مؤسساتياً.

فمكتب الاتصال يمكن أن يكون أداة للتواصل السياسي والدبلوماسي، لكن السفارة تعني مستوى مختلفاً من الالتزام والاستمرارية والقدرة على إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والقنصلية والأمنية بصورة أكثر انتظاماً.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الخطوة المغربية الإسرائيلية.

الجغرافيا السياسية تتقدم على الحسابات التقليدية

المغرب يتحرك داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد: شمال إفريقيا، والبحر المتوسط، ومنطقة الساحل، والشرق الأوسط، والمحيط الأطلسي.

وفي هذه البيئة، أصبحت الشراكات الدولية لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات، وإنما بقدرتها على إنتاج نفوذ سياسي، وفتح قنوات جديدة للتعاون، وتوفير هامش أوسع للحركة الدبلوماسية.

ومن هذه الزاوية، فإن العلاقة مع إسرائيل لا يمكن فصلها عن العلاقة الاستراتيجية الأوسع بين الرباط وواشنطن.

فالولايات المتحدة تعتبر المغرب شريكاً قديماً في ملفات الأمن والاستقرار والتنمية، كما أن واشنطن دعمت علناً تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية. وفي المقابل، حافظ المغرب على مواقفه المعلنة بشأن القضية الفلسطينية والقدس، وهو ما نص عليه الإعلان الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي لسنة 2020.

وبالتالي، فإن الرباط تبدو وكأنها تدير معادلة دقيقة: تعميق علاقاتها مع إسرائيل، دون التخلي عن ثوابتها المعلنة تجاه القضية الفلسطينية والقدس.

السفارة ليست مجرد عنوان دبلوماسي

من الخطأ النظر إلى فتح السفارتين باعتباره نهاية المطاف.

إنه، في الواقع، بداية مرحلة أكثر انتظاماً.

فالمعطيات المعلنة عن الاتفاق الجديد تتحدث أيضاً عن توسيع النقل الجوي، واستئناف الرحلات المباشرة، وتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية، والعمل على اتفاقيتين تتعلقان بحماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي.

وهنا تظهر الأبعاد السوسيو-اقتصادية للقرار.

فالعلاقات بين الدول لا تصنعها الحكومات وحدها؛ إنها تمتد إلى رجال الأعمال، والاستثمارات، والسياحة، والطيران، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والصحة، والفلاحة، والماء، والصناعات المتقدمة.

كما أن وجود جالية مغربية يهودية كبيرة في إسرائيل يشكل جسراً بشرياً وتاريخياً لا يمكن تجاهله عند قراءة طبيعة العلاقات بين الرباط وتل أبيب. وقد أشارت الوثيقة الثلاثية لسنة 2020 صراحة إلى الروابط التاريخية بين العرش المغربي والجالية اليهودية المغربية داخل المغرب وخارجه، بما في ذلك إسرائيل.

وماذا تريد واشنطن من هذا المسار؟

واشنطن تنظر إلى المنطقة بمنطق أوسع من العلاقة الثنائية بين المغرب وإسرائيل.

منذ إطلاق اتفاقات أبراهام، كانت الولايات المتحدة تدفع باتجاه توسيع دائرة العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية والإسلامية، معتبرة أن التعاون الاقتصادي والأمني والدبلوماسي يمكن أن يشكل إحدى أدوات إعادة ترتيب المنطقة.

ومن هذه الزاوية، فإن حضور الولايات المتحدة في الإعلان الجديد يحمل دلالة سياسية واضحة: واشنطن تريد أن يبقى مسار التطبيع حياً وقابلاً للتوسع، وأن يتحول من اتفاقات سياسية إلى شبكة أكثر رسوخاً من العلاقات والمصالح.

والمغرب، بحكم موقعه الجغرافي وصلاته بأوروبا وإفريقيا والعالم العربي والأطلسي، يحتل موقعاً خاصاً داخل هذه المعادلة.

الصحراء حاضرة في خلفية المشهد

ولا يمكن، في قراءة واقعية، تجاهل ملف الصحراء المغربية.

فقرار الإدارة الأمريكية في دجنبر 2020 الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء كان جزءاً أساسياً من السياق الذي رافق استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية. وقد أكدت الولايات المتحدة في إعلانها آنذاك دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للحل السياسي، كما نص الإعلان الثلاثي على مشاريع اقتصادية وتنموية في المنطقة.

وهذا يجعل العلاقات المغربية الإسرائيلية جزءاً من شبكة أوسع من الحسابات الجيوسياسية، وليس ملفاً منفصلاً عن المصالح المغربية الكبرى.

المغرب لا يغيّر موقعه… بل يوسع أدواته

قد يختلف الناس في تقييم التطبيع المغربي الإسرائيلي، وقد تختلف القراءات السياسية والأخلاقية حول تداعياته، خصوصاً في ظل استمرار الحرب والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لكن بعيداً عن المواقف الانفعالية، فإن قراءة القرار من زاوية الدولة ومصالحها تقتضي الاعتراف بأن المغرب يتحرك وفق تصور متعدد الدوائر: إفريقيا، أوروبا، الولايات المتحدة، العالم العربي، والشرق الأوسط.

والارتقاء إلى مستوى السفارات يعني أن الرباط اختارت، في هذه المرحلة، الانتقال بالعلاقة من صيغة الاتصال السياسي إلى صيغة مؤسساتية أكثر عمقاً.

لكن ذلك يضع المغرب أيضاً أمام مسؤولية أكبر: فكلما ارتفع مستوى العلاقات، ارتفع معها حجم الأسئلة والانتظارات، ليس فقط من الشركاء الدوليين، وإنما من الرأي العام المغربي والعربي.

وهنا تصبح الدبلوماسية المغربية أمام امتحان دقيق:

كيف تعمّق شراكاتها الاستراتيجية، وتحصد منافعها الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية، وفي الوقت نفسه تحافظ على ثوابتها المعلنة تجاه القضية الفلسطينية والقدس؟

ذلك هو السؤال الحقيقي.

أما السفارات، فهي ليست سوى الواجهة.

ما يجري خلف أبوابها هو إعادة هندسة للمصالح، وإعادة ترتيب للنفوذ، وإعادة رسم لخريطة العلاقات في منطقة لم تعد فيها الدبلوماسية مجرد رسائل وبيانات، بل أصبحت اقتصاداً وأمناً وطاقةً واستثماراً وجغرافيا سياسية.

وهنا بالضبط تكمن أهمية الخطوة المغربية الإسرائيلية الجديدة.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد