لم يعد قانون تنظيم مهنة المحاماة مجرد مشروع قانون تتجاذبه مواقف الحكومة والبرلمان والمحامين، ولم يعد ملفاً قابلاً للتأجيل أو المناورة السياسية؛ فقد أصبح، ابتداءً من يوم 20 غشت 2026، قانوناً نافذاً بعد نشره بالجريدة الرسمية عدد 7536، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.75 الصادر في 18 غشت 2026.
وبذلك، يكون القانون رقم 66.23، المتكون من 147 مادة وخمسة أقسام، قد غادر بشكل نهائي مرحلة المشروع والمناقشة والتجاذب المؤسساتي، ودخل مرحلة جديدة عنوانها: التنفيذ والتنزيل والتطبيق.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
فمنذ شهر يونيو، تعيش المحاكم المغربية على وقع توقف غير مسبوق للمحامين عن العمل، في مواجهة مفتوحة حول قانون المهنة، قبل أن تأتي لحظة نشره رسمياً لتضع الجميع أمام واقع جديد لا يمكن تجاهله: القانون أصبح نافذاً، لكن الأزمة لم تنتهِ.
بل إن جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في آخر موقف لها قبل نشر القانون، قررت الاستمرار في التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، ومواصلة تعليق العمل بنظام المساعدة القضائية تعييناً وأداءً، مع الإعلان عن خطوات احتجاجية وتصعيدية، وتحديد الخامس من شتنبر المقبل موعداً لاجتماع استثنائي لمجلس الجمعية لتحديد المواقف والخطوات المقبلة.

وهنا تطرح «بيتنا الآن» السؤال الذي يهم المواطن قبل المحامي والحكومة والبرلمان:
إلى متى سيستمر هذا الشد والجذب؟ ومن سيدفع ثمن استمرار الأزمة؟
لا أحد يجادل في أن المحاماة ليست مهنة عادية. إنها مهنة حرة ومستقلة، مرتبطة مباشرة بحقوق الدفاع وبالمحاكمة العادلة وبحماية حقوق المواطنين وحرياتهم. والقانون الجديد نفسه يؤكد هذه المكانة ويعتبر المحامين جزءاً من أسرة القضاء، كما يكرس مجموعة من المبادئ المهنية، من بينها الاستقلال والنزاهة والتجرد والكرامة والشرف.
لكن، وفي المقابل، فإن دولة المؤسسات لا يمكن أن تظل رهينة لأزمة مفتوحة إلى ما لا نهاية.
فالبرلمان صادق على القانون، والظهير الشريف صدر، والقانون نشر في الجريدة الرسمية، والمادة 146 حسمت تاريخ دخوله حيز التنفيذ. وبالتالي فإن المرحلة التشريعية انتهت، وأصبح النقاش الآن منصباً على كيفية تنزيل القانون، وعلى معالجة ما قد يظهر من إشكالات أثناء التطبيق.
ومن هنا، فإن استمرار التوقف الشامل بعد دخول القانون حيز التنفيذ يطرح إشكالية مختلفة عن تلك التي كانت مطروحة قبل النشر.
لقد كان للمحامين حقهم في الاحتجاج والتعبير عن رفضهم لمقتضيات يرون أنها تمس استقلال المهنة أو تنظيمها الذاتي أو ضمانات ممارسة الدفاع. وكان لهم كذلك الحق في اللجوء إلى المؤسسات الدستورية والقانونية للتعبير عن مواقفهم.
لكن في دولة المؤسسات، لا يمكن أن يتحول الخلاف حول قانون إلى قطيعة دائمة مع القانون نفسه بعد دخوله حيز التنفيذ.
وفي المقابل، فإن الحكومة مطالبة أيضاً بأن تدرك أن إنهاء الأزمة لا يكون بمنطق «انتصرنا لأن القانون نشر»، كما لا يكون بمنطق «سنستمر في التوقف حتى يتغير القانون».
المنتصر الحقيقي يجب أن يكون العدالة المغربية.
والخاسر الحقيقي من استمرار المواجهة هو المواطن الذي ينتظر حكماً، أو متهماً ينتظر دفاعه، أو متقاضياً تعطلت مصالحه، أو مواطناً فقيراً يعتمد على المساعدة القضائية ولا يستطيع تحمل كلفة الانتظار.
لقد أصبحت الأزمة، بعد أكثر من مائة يوم من التوقف، أكبر من مجرد خلاف مهني بين وزارة العدل وهيئات المحامين. إنها أصبحت تمس صورة العدالة ونجاعة المحاكم وثقة المواطن في المؤسسات. وقد أقرت جمعية هيئات المحامين نفسها بأن استمرار الأزمة له انعكاسات على المواطنين وصورة البلاد، مطالبة الحكومة بتحمل مسؤولياتها وإيجاد مخرج للملف.
ومن موقعنا الإعلامي، نقولها بوضوح:
لا الحكومة مطالبة بكسر المحامين، ولا المحامون مطالبون بكسر الحكومة.
المطلوب هو كسر الجمود.
فالقانون أصبح نافذاً، لكن هذا لا يعني أن باب الحوار أغلق. بل ربما العكس تماماً؛ فمرحلة التطبيق قد تكون أفضل فرصة لفتح نقاش مؤسساتي هادئ حول المقتضيات التي تثير تحفظات مهنية حقيقية، وحول النصوص التنظيمية والآليات العملية التي سترافق تنزيل القانون.
وإذا كانت جمعية هيئات المحامين قد اختارت عقد اجتماع استثنائي في الخامس من شتنبر المقبل، فإن هذا الموعد ينبغي ألا يكون محطة لإعلان تصعيد جديد فقط، وإنما فرصة تاريخية لاتخاذ قرار شجاع يعيد الحوار إلى الواجهة.
كما أن الحكومة، ووزارة العدل تحديداً، مطالبتان بأن تتعاملا مع هذا الاجتماع ليس باعتباره مواجهة، وإنما باعتباره فرصة للخروج من الأزمة.
فالمحامي ليس خصماً للعدالة، والحكومة ليست خصماً للمحامي.
كلاهما، في نهاية المطاف، داخل منظومة واحدة اسمها العدالة.
إننا في «بيتنا الآن» نعتقد أن استقلال مهنة المحاماة خط أحمر، كما أن احترام القانون والمؤسسات خط أحمر آخر. ولا ينبغي لأحد أن يضعهما في مواجهة بعضهما البعض.
المطلوب اليوم ليس إلغاء القانون بالقوة، ولا فرضه بالقوة، وإنما تنزيله بالحوار والمسؤولية والاحتكام إلى المؤسسات.
أما أن تستمر المحاكم في حالة شلل، وأن يبقى المتقاضي ينتظر، وأن يتحول الخلاف القانوني إلى أزمة مؤسساتية مفتوحة، فذلك ما لا يمكن أن يستمر.
لقد صدر القانون.
والآن، حان وقت العقل.
حان وقت أن تتحدث المؤسسات مع المؤسسات، وأن يجلس المحامون والحكومة إلى طاولة واحدة، وأن يكون المواطن حاضراً في كل نقاش، لأنه في النهاية هو صاحب المصلحة الأولى في عدالة ناجعة، مستقلة، سريعة، وقادرة على حماية حقوقه.
أما استمرار الأزمة، فلا رابح فيه.
فالعدالة إذا تعطلت… خسر الجميع.
«بيتنا الآن» — الخبر مقدس والتعليق حر.