اليوم، الأربعاء 30 شتنبر 2026، وعلى الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً، ليس يوماً عادياً داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.
إنها لحظة فاصلة في تاريخ مؤسسة ارتبط اسمها لعقود بالأمن العقاري، وبوحدة العمل الإداري في مجال التحفيظ العقاري، وبحماية الحقوق العقارية.
إنها لحظة إعدام مؤسسة المحافظ العام، أو على الأقل إنهاء وجودها المؤسساتي بالشكل الذي عرفه المغرب منذ عقود، وإدماج اختصاصاتها ضمن هيكلة جديدة تحت مسمى قطب الشؤون القانونية والعقارية والتقارير، بحسب المعطيات التي تتوفر عليها «بيتنا الآن».
وليس هذا الكلام مجرد توصيف صحفي.
فالوكالة نفسها تقول، في صفحتها الرسمية الخاصة بمؤسسة المحافظ العام، إن هذه المؤسسة أُحدثت سنة 1942، وإن ظهير 29 دجنبر 1953 جعلها مؤسسة مستقلة عن مهام المحافظ على الأملاك العقارية بالرباط، كما تؤكد الوكالة أن قانون إحداثها سنة 2002 حافظ على اختصاصات ومسؤوليات المحافظ العام.
فهل يعقل، بعد كل هذا التراكم التاريخي والقانوني والمهني، أن تتحول مؤسسة بهذا الحجم إلى مجرد مصلحة أو قسم داخل «كشكول» تنظيمي جديد؟
السؤال ليس موجهاً إلى التاريخ… بل إلى من يتخذ القرار اليوم.
كريم تجموعتي… المسؤول الأول عن الوكالة
عندما نتحدث عن المسؤولية، فإننا لا نتحدث عن شخص كريم تجموعتي خارج وظيفته، ولا عن حياته الخاصة، ولا عن شخصه.
نحن نتحدث عن المدير العام للوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، أي عن المسؤول الأول عن المؤسسة من موقعه الرسمي.
فقد عُيّن كريم تجموعتي مديراً عاماً للوكالة بموجب الظهير الشريف رقم 1.16.17 بتاريخ 17 فبراير 2016، وهو ما تؤكده كذلك وثائق منشورة تتعلق بالوكالة.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً، بل واجباً:
إذا كانت إعادة الهيكلة قراراً صادراً عن الوكالة، فمن يتحمل مسؤوليته؟
وإذا كانت الفكرة قد اقترحها مسؤول آخر، من داخل الوكالة أو خارجها، فإن المسؤولية الإدارية لا تتوقف عند صاحب الفكرة، بل تمتد إلى من يملك سلطة اعتمادها والموافقة عليها وتنفيذها.
فالمدير العام ليس مجرد متفرج على ما يجري داخل مؤسسته.
إنه المسؤول الأول عن تدبيرها، وعن هندستها التنظيمية، وعن حماية مصالحها، وعن صيانة توازناتها القانونية والمهنية.
مؤسسة ليست «قسماً» حتى تُدفن داخل قسم
هنا تكمن الخطورة.
مؤسسة المحافظ العام ليست اسماً إدارياً عابراً يمكن تغييره بقرار تنظيمي وكأن الأمر يتعلق بتغيير مكتب أو مصلحة.
الوكالة نفسها تحدد للمحافظ العام وظيفة جوهرية: ضمان توحيد العمل الإداري المتعلق بتطبيق نظام التحفيظ العقاري، ومراقبة ممارسة المحافظين لمهامهم، وإعطاؤهم التوجيهات والتعليمات العامة والخاصة، فضلاً عن اختصاصات قانونية وقضائية وتشريعية واستشارية أخرى.
فأي إعادة تنظيم ينبغي أن تجيب أولاً عن سؤال بسيط:
أين ستذهب هذه الاختصاصات؟
ومن سيحمل مسؤولية توحيد العمل بين المحافظين؟
ومن سيقدم المرجعية القانونية في القضايا العقارية الكبرى؟
ومن سيتولى التوجيه والتأطير؟
ومن سيحافظ على تراكم الاجتهاد الإداري والمهني؟
ومن سيضمن ألا تتحول المرجعية العقارية إلى مجرد ملف من ملفات مديرية متعددة الاختصاصات؟
هذه ليست أسئلة صحفية للزينة.
إنها أسئلة مرتبطة مباشرة بالأمن العقاري.
ثمانون عاماً لا تُمحى بجرة قلم
منذ سنة 1942، مرت على المغرب أجيال من المحافظين والأطر ورجال القانون والخبراء والموظفين، وتراكمت داخل مؤسسة المحافظ العام خبرات واجتهادات وممارسات مرتبطة بنظام التحفيظ العقاري.
وبحسب التاريخ الرسمي الذي تنشره الوكالة، فإن مؤسسة المحافظ العام تعود إلى سنة 1942، فيما تعود الصيغة المستقلة لاختصاصاتها إلى ظهير سنة 1953.
أي أننا أمام أكثر من ثمانية عقود من الوجود المؤسساتي.
فهل هكذا تُكافأ المؤسسات العريقة؟
هل يكون مصيرها أن تُذاب في هيكلة جديدة دون أن يُفتح نقاش مؤسساتي واسع حول آثار ذلك؟
وهل يكفي أن نقول إن الاختصاصات ستظل موجودة داخل مديرية أو قطب جديد؟
لا.
المؤسسة ليست مجرد اختصاصات مكتوبة على الورق.
المؤسسة أيضاً ذاكرة، ومرجعية، واستقلالية وظيفية، وتراكم مهني، وموقع داخل المنظومة القانونية والإدارية.
من يتحمل مسؤولية القرار؟
«بيتنا الآن» لا تصدر أحكاماً قضائية، ولا تنصب نفسها مكان المؤسسات المختصة.
لكنها تطرح الأسئلة التي يطرحها اليوم أطر الوكالة ومستخدموها وكل المتعاملين مع منظومة التحفيظ العقاري.
إذا كان القرار قد اتُخذ فعلاً بإلغاء الصيغة المؤسساتية لمؤسسة المحافظ العام، فإن المسؤولية السياسية والإدارية والتدبيرية عن هذا الاختيار يجب أن تكون واضحة.
وإذا كان المدير العام قد وافق عليه، فله أن يشرح للرأي العام المهني:
لماذا؟
وإذا كان لم يوافق عليه، فالسؤال يصبح:
فمن اتخذ القرار؟ وبأي سند؟ ومن يملك سلطة فرضه؟
أما أن تختفي مؤسسة تاريخية بهذه الأهمية في صمت إداري، فهذا ما لا يمكن لـ«بيتنا الآن» أن تعتبره شأناً داخلياً لا يعني أحداً.
والكاتب العام أيضاً أمام السؤال
أما الكتابة العامة للوكالة، وبحكم موقعها في الهيكلة الجديدة، فهي بدورها أمام مسؤولية التوضيح.
ليس لأننا نستهدف أشخاصاً.
بل لأننا نريد معرفة السند القانوني والتنظيمي الذي يسمح بإعادة توزيع اختصاصات مؤسسة ذات تاريخ واختصاصات مؤطرة بنصوص قانونية وتنظيمية.
فالوكالة ليست ملكاً للمدير العام.
وليست ملكاً للكاتب العام.
وليست ملكاً لأي مدير أو مسؤول أو إطار.
إنها مؤسسة عمومية، والاختصاص فيها للقانون، والمسؤولية فيها للمؤسسات.
وداعاً… ولكن هل هكذا يكون الوداع؟
اليوم، إذا دخلت الهيكلة الجديدة حيز التنفيذ فعلاً، فإن «بيتنا الآن» تقولها بصوت مرتفع:
وداعاً لمؤسسة المحافظ العام بصيغتها التاريخية… ولكن ليس وداعاً لذاكرتها ولا لاختصاصاتها ولا لحق المغاربة في معرفة من قرر مصيرها.
وقد يختلف الناس حول الهيكلة.
وقد يعتقد البعض أن إعادة التنظيم ضرورة إدارية.
وقد ترى إدارة الوكالة أن إدماج الاختصاصات داخل قطب جديد أكثر نجاعة.
لكن هذه كلها مبررات ينبغي أن تُعرض على الأطر والمهنيين والرأي العام العقاري، لا أن تُدفن داخل وثائق إدارية مغلقة.
لأن الأمر يتعلق بمؤسسة ارتبطت، لعقود، بتوحيد العمل في مجال التحفيظ العقاري.
صلاة الغائب… ولكن على ماذا؟
ولأن المشهد يشبه، في رمزيته، جنازة مؤسسة عريقة، فإننا ندعو أطر الوكالة ومستخدميها وكل من تعامل مع مؤسسة المحافظ العام طوال عقود إلى الوقوف لحظة تأمل أمام ما يحدث.
ليس المطلوب صلاة الغائب على أشخاص.
بل الوقوف احتراماً لذاكرة مؤسسة خدمت منظومة التحفيظ العقاري لعقود طويلة.
أما المسؤولون، فالتاريخ لا يصلي على أحد.
التاريخ يسجل.
وسيسجل أن مؤسسة المحافظ العام كانت موجودة، وأنها كانت تحمل اختصاصات قانونية ومهنية واضحة، وأنها كانت جزءاً من منظومة الأمن العقاري، ثم جاء يوم 30 شتنبر 2026 لتدخل هيكلية جديدة حيز التنفيذ، بحسب المعطيات التي توصلت بها «بيتنا الآن».
وسيطرح التاريخ السؤال:
من قرر؟
لماذا قرر؟
وبأي سند؟
وهل كان البديل يحفظ للمؤسسة مكانتها ووظيفتها أم ينهي وجودها المؤسساتي؟
أما كريم تجموعتي، باعتباره المدير العام والمسؤول الأول عن الوكالة، فستظل أمامه مسؤولية تقديم الجواب المؤسساتي الواضح.
وإذا كان القرار قد اتخذ بموافقته، فإن عليه أن يتحمل مسؤوليته الإدارية كاملة.
وإذا كان القرار قد فُرض عليه، فعليه أن يقول ذلك بوضوح.
أما الصمت…
فلا يليق بمؤسسة عمومية استراتيجية.
ولا يليق بمؤسسة تاريخية بحجم الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.
ولا يليق بمؤسسة اسمها:
الأمن العقاري.
بيتنا الآن تقولها اليوم، وبصوت مرتفع:
لا نريد جنازة صامتة لمؤسسة المحافظ العام.
نريد الحقيقة.
نريد السند القانوني.
نريد المسؤولية.
ونريد أن يعرف المغاربة من قرر أن يطوي صفحة مؤسسة عمرها أكثر من ثمانين عاماً.
لأن المؤسسات قد تتغير…
والهياكل قد يعاد رسمها…
لكن المسؤولية لا تُعاد هيكلتها.
والتاريخ لا يُعاد هيكلته.
والأمن العقاري لا يحتمل التجريب.