حين تتحول مفاوضات تشكيل الحكومة إلى سباق محموم على الوزارات، تصبح السياسة في خطر… ويصبح غضب الشارع مفهوماً!
ما الذي يجري خلف الأبواب المغلقة في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة؟
هل نحن أمام مشاورات سياسية هدفها بناء حكومة قادرة على الاستجابة لانتظارات المغاربة، أم أمام سوق سياسية مفتوحة، كل حزب يدخلها حاملاً لائحة مطالبه، ويخرج منها حاملاً ما استطاع انتزاعه من الحقائب والمواقع؟
السؤال مشروع، بل أكثر من مشروع.
لأن المواطن المغربي الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع لم يمنح صوته للأحزاب لكي تتعامل مع الوزارات باعتبارها غنائم انتخابية، ولا لكي تتحول مفاوضات تشكيل الحكومة إلى عملية حسابية عنوانها: هذه الوزارة لنا، وتلك لكم، وهذه رئاسة مجلس النواب، وتلك مؤسسة أو قطاع.
المغاربة صوتوا وهم ينتظرون التغيير.
والتغيير، قبل أن يكون تغييراً في أسماء الوزراء، هو تغيير في العقليات، وفي طريقة تدبير الشأن العام، وفي علاقة المسؤول بالمواطن، وفي قدرة الحكومة على الإجابة عن الأسئلة الثقيلة التي تفرض نفسها يومياً على المجتمع.
أما أن يبدأ الحديث، منذ الساعات الأولى للمفاوضات، عن من سيأخذ الفلاحة؟ ومن سيحصل على الاقتصاد والمالية؟ ومن سينال التجارة والصناعة؟ ومن سيحتفظ بالصحة والتعليم؟ ومن ستكون له رئاسة مجلس النواب؟، فإن الرسالة التي قد تصل إلى المواطن ستكون خطيرة للغاية:
هل تشكلون حكومة لخدمة الشعب… أم حكومة لتوزيع الغنائم بين الأحزاب؟
نحن لا نتحدث هنا عن حق دستوري للأحزاب في التفاوض، ولا عن مشروعية التحالفات السياسية، فذلك جزء طبيعي من العملية الديمقراطية. لكننا نتحدث عن شيء آخر تماماً: عن الأولويات.
فالوزارة ليست قطعة أرض توزع في مفاوضات عقارية، وليست جائزة تمنح لمن رفع سقف مطالبه أكثر من غيره.
وزارة الفلاحة، مثلاً، ترتبط بالأمن الغذائي والماء والفلاح والعالم القروي.
وزارة الاقتصاد والمالية تمسك بمفاتيح المالية العمومية والميزانية والاستثمار والسياسات الاقتصادية.
وزارة الصحة تتعلق بحياة المواطنين وكرامتهم.
وزارة التربية الوطنية تتعلق بمستقبل الأجيال.
والتجارة والصناعة ترتبطان بالإنتاج والتشغيل والاستثمار والقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
فكيف يمكن أن تختزل كل هذه القطاعات في سؤال واحد: لمن ستكون الحقيبة؟
هنا بالضبط يجب أن يتوقف الجميع.
لأن المغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة مشكلة حسابياً من مجموعة أحزاب، وإنما يحتاج إلى حكومة سياسية مسؤولة، متجانسة، واضحة البرنامج، وقادرة على تحمل مسؤولية ما ستقوله وما ستفعله أمام المغاربة.
أما إذا كانت المفاوضات ستنتهي إلى أن يحصل حزب على هذه الوزارة، وحزب آخر على تلك، وحزب ثالث على رئاسة البرلمان، بينما تبقى الأسئلة الحقيقية للمغاربة معلقة في الهواء، فإن المشكلة لن تكون في عدد الحقائب التي حصل عليها كل حزب، وإنما في المعنى السياسي الذي ستبعثه هذه الهندسة إلى الشارع.
والأخطر من ذلك أن التحالفات نفسها قد تصبح أول ضحية لمنطق اقتسام الكعكة.
فالتحالف السياسي لا يعيش بالحقائب وحدها، وإنما يعيش بالثقة والانسجام والقدرة على تقديم مشروع مشترك.
أما إذا بدأ كل طرف في حساب ما ربحه، وما خسره، وما انتزعه من الطرف الآخر، فإن التحالف يتحول من تعاقد سياسي إلى مساومة دائمة.
وهنا نقولها بوضوح:
لا تجعلوا من تشكيل الحكومة بداية أزمة ثقة جديدة مع المواطن.
فالمغربي لا يريد أن يستيقظ كل صباح ليقرأ أخباراً عن صراع الأحزاب حول وزارة أو حقيبة أو منصب.
المغربي يريد أن يعرف:
ماذا ستفعلون في الصحة؟
ماذا ستفعلون في التعليم؟
ماذا ستفعلون في التشغيل؟
ماذا ستفعلون مع غلاء المعيشة؟
ماذا ستفعلون مع الفوارق الاجتماعية والمجالية؟
ماذا ستفعلون مع الإدارة؟
وماذا ستفعلون من أجل الشباب الذي يريد مستقبلاً لا مجرد وعود انتخابية؟
هذه هي الحقائب الحقيقية التي ينتظرها المواطن.
أما الوزارات، فهي وسائل لتنفيذ السياسات وليست غايات في حد ذاتها.
ومن هنا، فإن رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، وهي تدير مشاورات تشكيل الحكومة، ستكون أمام امتحان سياسي بالغ الحساسية: هل تستطيع أن تجعل من المفاوضات ورشة لبناء حكومة ذات معنى سياسي، أم تسمح لمنطق التفاوض الحزبي على المواقع بأن يطغى على سؤال البرنامج والأولويات والكفاءة؟
ذلك هو السؤال الذي يجب أن يبقى في الواجهة.
والأحزاب التي دخلت البرلمان مطالبة بأن تتذكر أن الانتخابات انتهت، لكن حسابات المواطن لم تنتهِ.
لقد منح الناس أصواتهم، والآن ينتظرون أن يروا ماذا سيفعل الفائزون بها.
أما تحويل نتائج الانتخابات إلى مزاد سياسي على الحقائب، فهو أخطر ما يمكن أن يحدث في بداية الولاية الجديدة.
لأن المواطن قد يتسامح مع اختلاف البرامج، وقد يتفهم صعوبة التحالفات، وقد ينتظر بعض الوقت حتى تبدأ الحكومة عملها…
لكنه يصعب عليه أن يتقبل أن يرى السياسيين يتصارعون على من يملك الوزارة أكثر مما يتصارعون حول ماذا سيفعلون داخل الوزارة.
وهنا الرسالة الأخيرة:
أيها المتفاوضون… لا تنسوا الشعب!
فالوزارات ستتوزع، والمناصب ستتغير، والتحالفات قد تولد اليوم وقد تتغير غداً…
لكن المواطن سيبقى هو نفسه، وهو الذي سيدفع ثمن كل قرار، وسيحاسب كل حكومة، وسيحكم على كل حزب من خلال ما يراه في حياته اليومية.
فلا تجعلوا الحكومة تولد من رحم اقتسام الحقائب، بل من رحم المسؤولية.
وإلا فإن أكبر حقيبة قد تحملونها جميعاً لن تكون وزارة ولا رئاسة مجلس…
بل ستكون حقيبة الغضب الشعبي.
وهي الحقيبة الوحيدة التي لا يستطيع أي حزب أن يفاوض عليها… ولا أن يضع لها ثمناً.
بيتنا الآن — الخبر مقدس والتعليق حر