الأحرار خارج الحسابات… والبام يرسم خريطة أغلبية جديدة تقلب الطاولة

يبدو أن قطار تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري دخل، ابتداءً من اليوم، محطة جديدة تماماً، وأن ما كان إلى الأمس مجرد تكهنات حول خريطة التحالفات، بدأ يتحول إلى مواقف سياسية واضحة، بل وصريحة إلى درجة يصعب معها تجاهل الرسالة التي خرجت من الصخيرات اليوم.

فالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، المنعقد في دورة استثنائية بالصخيرات، عرف نقاشاً قوياً حول مشاركة حزب التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة، وكان هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي، في مقدمة الأصوات الرافضة لإعادة التحالف مع «الأحرار»، قبل أن تلتحق به أصوات أخرى من داخل المجلس الوطني، بينها برلمانيون وبرلمانيون سابقون. وقد قوبلت مداخلات في هذا الاتجاه بتصفيق داخل القاعة.

والأكثر دلالة أن فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أعلنت أمام المجلس الوطني أن موقفها من عدم إعادة التحالف مع «الأحرار» كان واضحاً، وأن رسالة أعضاء المجلس الوطني بشأن هذا الموضوع قد وصلت.

لكن المفاجأة لم تتوقف عند الصخيرات.

ففي سلا، وأمام المجلس الوطني لحزب الاستقلال، خرج نزار بركة ليكشف أن المعطيات التي توصل بها تفيد بأن المجلس الوطني لـ«البام» اتجه إلى رفض مشاركة «الأحرار» في الحكومة المقبلة، وهو الإعلان الذي استقبل بالتصفيق والهتافات داخل القاعة.

وهنا بالضبط تبدأ الحكاية الحقيقية.

إذا كان «الأحرار» قد أصبح خارج الحسابات الحكومية بالنسبة إلى «البام»، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من سيعوضه فقط؟ وإنما: هل نحن أمام إعادة رسم كاملة لخريطة الأغلبية الحكومية؟

الأرقام الانتخابية تقول إن «البام» تصدر انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعداً، يليه الاستقلال بـ65، ثم الاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الدستوري بـ17. ومجموع هذه الأحزاب الستة يبلغ 253 مقعداً من أصل 395، أي أعلى بكثير من عتبة الأغلبية المطلوبة داخل مجلس النواب، والمحددة في 198 مقعداً.

وهذا هو الرقم الذي يجعل المشهد السياسي يدخل مرحلة مختلفة.

253 مقعداً ليست رقماً عابراً.

إنها، حسابياً، كتلة برلمانية واسعة يمكن أن تشكل أساساً لأغلبية مريحة، إذا تحولت المشاورات السياسية إلى اتفاقات رسمية بين هذه الأحزاب.

لكن، وهنا بيت القصيد، الأغلبية العددية شيء، والتحالف السياسي المتماسك شيء آخر.

فالطريق من جمع الأرقام إلى بناء حكومة ليس طريقاً معبداً بالورود. هناك توزيع الحقائب، والبرنامج الحكومي، والأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وترتيب المسؤوليات، وحدود الالتزام داخل الأغلبية، وطبيعة العلاقة بين مكوناتها.

ولهذا فإن المعركة المقبلة لن تكون معركة عدد المقاعد فقط، وإنما معركة الهندسة السياسية للحكومة.

ومن هذه الزاوية، فإن استبعاد «الأحرار» ــ إذا تأكد نهائياً في صيغة التحالف الحكومي ــ لا يعني فقط إسدال الستار على أغلبية 2021، وإنما يعني أيضاً أن حكومة المنصوري قد تولد بخريطة سياسية مختلفة عن الحكومة السابقة، وبتركيبة حزبية جديدة، وبحسابات جديدة داخل البرلمان.

أما حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي حصل على 66 مقعداً في انتخابات 2026، فقد وجد نفسه أمام معادلة سياسية مختلفة عن تلك التي كان جزءاً منها خلال الولاية السابقة.

ومن هنا نفهم لماذا كانت اجتماعات المجالس الوطنية للأحزاب اليوم بالغة الأهمية.

إنها ليست مجرد اجتماعات تنظيمية لتقييم نتائج الانتخابات.

إنها، عملياً، مجالس للحسم في شكل المغرب السياسي خلال المرحلة المقبلة.

فالمغرب أمام حكومة جديدة، ورئيسة حكومة جديدة، وأغلبية برلمانية جديدة، وفي الخلفية معارضة ستجد نفسها مطالبة بإعادة ترتيب أوراقها أيضاً.

والرسالة الأقوى التي خرجت اليوم من الصخيرات وسلا هي أن مرحلة “كل شيء ممكن” في التحالفات بدأت تضيق، وأن نتائج صناديق الاقتراع أصبحت حاضرة بقوة في النقاش حول هندسة الحكومة.

لكن «بيتنا الآن» تقول أيضاً إن المشهد لم يصل بعد إلى محطته الأخيرة.

فالمفاوضات لم تنته، والقرارات النهائية للمؤسسات التقريرية لبعض الأحزاب لم تحسم كلها بعد، ولذلك فإن الحديث عن حكومة من ستة أحزاب يجب أن يبقى، في هذه اللحظة، سيناريو سياسياً قائماً بقوة، وليس قراراً حكومياً نهائياً معلناً.

ومع ذلك، فإن الرسالة السياسية التي خرجت من يوم السبت 3 أكتوبر لا تحتاج إلى كثير من التأويل:

زمن الأغلبية القديمة انتهى، وخريطة جديدة للأغلبية أصبحت مطروحة بقوة على الطاولة.

والآن، الكرة في ملعب فاطمة الزهراء المنصوري.

فإما أن تنجح في تحويل هذه الأرقام إلى تحالف سياسي منسجم، وإما أن تثبت المشاورات مرة أخرى أن الحساب البرلماني أسهل بكثير من بناء التحالفات السياسية.

وفي كلتا الحالتين، فإن حكومة المنصوري لن تكون مجرد حكومة جديدة…

بل ستكون أول امتحان حقيقي لنتائج انتخابات 23 شتنبر، ولقدرة “البام” على الانتقال من تصدر الانتخابات إلى قيادة أغلبية حكومية جديدة.

والأيام المقبلة وحدها ستكشف: هل ولدت الأغلبية الجديدة في الصخيرات… أم أن مخاض الحكومة لا يزال يخفي مفاجآت أخرى؟

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد