حذاري… ثم حذاري… ثم حذاري!
إلى السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، وإلى أعضاء اللجنة المكلفة بالتشاور مع الفرقاء السياسيين:
لا تجعلوا التحالفات الحكومية الجديدة قنبلة موقوتة داخل الحكومة نفسها.
هذا ليس موقفاً عدائياً من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ولا حكماً على تاريخه أو مناضليه، وإنما هو سؤال سياسي مشروع تفرضه تجربة المشاورات الحكومية السابقة، ويفرضه كذلك منطق تشكيل حكومة يفترض أن تعيش خمس سنوات كاملة في انسجام ومسؤولية، لا حكومة يعيش فيها بعض مكوناتها بعقلية «قدم داخل الحكومة وقدم أخرى خارجها».
لقد أظهرت تجربة تشكيل حكومة عبد الإله بنكيران سنة 2016 أن إدريس لشكر والاتحاد الاشتراكي كانا طرفاً فاعلاً في مفاوضات شديدة التعقيد، وأن الاتحاد دخل في حسابات وتكتلات سياسية كان لها تأثير واضح على مسار تلك المشاورات. كما أن لشكر نفسه كان قد أعلن مواقف حادة تجاه بنكيران وحكومته، قبل أن ينخرط حزبه لاحقاً في الأغلبية الحكومية.
وهنا بالضبط يجب أن تتوقف اللجنة وتطرح السؤال الصعب: ماذا نريد من الحكومة المقبلة؟
هل نريد حكومة متماسكة، واضحة الأغلبية، محددة المسؤوليات، يلتزم كل مكون فيها ببرنامجها ويدافع عنها داخل البرلمان وخارجه؟
أم نريد حكومة تجمع أطرافاً متباعدة، بحيث يتحول كل خلاف داخلها إلى أزمة، وكل اختلاف في التقدير إلى تهديد سياسي، وكل طموح حزبي إلى ورقة ضغط على رئيسة الحكومة؟
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه حكومة جديدة هو أن تستورد إلى داخلها منطق المعارضة.
فالوزير الذي يدخل الحكومة ينبغي أن يكون شريكاً في تحمل مسؤوليتها السياسية، لا أن يتحول حزبه إلى معارضة من داخل الأغلبية كلما تغيرت موازين المصالح.
والأخطر من ذلك هو أن تتحول الحكومة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الأحزاب، أو إلى غرفة انتظار مفتوحة لمن يريد أن يفاوض الحكومة صباحاً ويعارضها مساءً.
لقد قدمت «بيتنا الآن» تصوراً لتحالفات تقوم على الانسجام السياسي والبرنامجي، لا على مجرد جمع الأرقام.
فالعدد وحده لا يصنع حكومة قوية.
الانسجام هو الذي يصنع الحكومة.
الثقة هي التي تحمي الأغلبية.
والالتزام السياسي هو الذي يمنع سقوطها من الداخل.
أما إدخال مكونات متنافرة في تحالف واحد، ثم انتظار أن تتعايش خمس سنوات تحت سقف حكومي واحد، فهو رهان سياسي محفوف بالمخاطر.
والأمر يصبح أكثر حساسية عندما نتحدث عن الكتلة وتحالفاتها المحتملة.
فإذا كانت الحكومة ستجد نفسها منذ يومها الأول أمام مكونات لها حسابات سياسية مختلفة، فقد يتحول البرلمان من فضاء لدعم البرنامج الحكومي إلى ساحة لإعادة التفاوض على الحكومة نفسها.
وهنا نقولها بوضوح:
لا يكفي أن تضمنوا تشكيل الحكومة… عليكم أن تضمنوا قدرتها على الاستمرار.
فالحكومة التي تولد بأغلبية عددية فقط قد تواجه لاحقاً اختبار الانسجام والثقة والالتزام.
أما إذا كانت بعض مكوناتها ستتعامل مع الحكومة بمنطق «نحن معها ما دامت مصالحنا محفوظة»، فإن الخطر لا يأتيها من المعارضة وحدها، بل قد يأتيها من داخل الأغلبية نفسها.
ومن هنا فإن نصيحتنا للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري ولأعضاء لجنة المشاورات هي:
لا تبحثوا فقط عمن يملك المقاعد اللازمة لتشكيل الحكومة؛ ابحثوا عمن يملك الاستعداد السياسي لتحمل مسؤولية الحكومة كاملة.
ولا تسألوا فقط:
كم مقعداً سيضيف هذا الحزب إلى الأغلبية؟
بل اسألوا أيضاً:
ماذا سيضيف إلى الانسجام؟
وماذا سيضيف إلى البرنامج؟
وماذا سيضيف إلى الاستقرار؟
فالحكومة ليست شركة لتوزيع الأسهم الوزارية، وليست صفقة انتخابية لتجميع الأرقام.
إنها مسؤولية سياسية أمام المغاربة.
ولذلك، فإن «بيتنا الآن» لا تريد حكومة يكون فيها بعض الوزراء يدافعون عنها، بينما يترك حزبهم الباب مفتوحاً لمهاجمتها عند أول خلاف.
نريد حكومة تعرف منذ اليوم الأول من معها ومن ضدها.
نريد أغلبية حكومية واضحة.
نريد معارضة واضحة.
ونريد أن يعرف المواطن المغربي من يتحمل مسؤولية القرار ومن يتحمل مسؤولية المعارضة.
أما الحكومة بنصف أغلبية ونصف معارضة، فهي وصفة دائمة للأزمات.
لقد انتهى زمن الحسابات الصغيرة.
المرحلة المقبلة تحتاج حكومة قوية ببرنامج واضح، وأحزاباً تتحمل مسؤولياتها كاملة، لا حكومة تظل رهينة للابتزاز السياسي عند كل محطة.
فاطمة الزهراء المنصوري أمام امتحان تاريخي:
إما أن تبني حكومة على أساس الثقة والانسجام والبرنامج والمسؤولية الجماعية…
وإما أن تسمح لمنطق توزيع الغنائم السياسية بأن يزرع داخل حكومتها بذور أزماتها المقبلة.
و«بيتنا الآن» تقولها اليوم، قبل أن تبدأ الحكومة عملها:
حذاري من أغلبية تحمل في داخلها معارضة!
لأن الحكومة التي تحمل بذور سقوطها داخلها، قد لا تحتاج إلى خصوم لإسقاطها.
وقد يكون أخطر خصم للحكومة… هو الحكومة نفسها.