عثمان سونكو… عندما يتحول الطموح السياسي إلى اختبار حقيقي للديمقراطية السنغالية

لا يوجد في الأنظمة الديمقراطية من هو أكبر من الدولة، ولا من يعلو على المؤسسات، ولا من يملك حق احتكار الإرادة الشعبية. فالسياسي الحقيقي يقاس بمدى احترامه للقانون عندما يختلف مع خصومه، وليس بقدرته على فرض إرادته داخل المؤسسات.

ومن هذا المنطلق، فإن ما يتم تداوله بشأن الأحداث التي شهدتها الجمعية الوطنية السنغالية يثير قلقًا بالغًا. فإذا صحت تلك الوقائع، فإن منع نائب معارض من ممارسة حقه في التعبير، والاستعانة بالقوة لإبعاده عن قاعة البرلمان، لا يمكن اعتباره سلوكًا ينسجم مع أبسط قواعد الديمقراطية، بل يمثل مؤشرًا مقلقًا على تغليب منطق القوة على قوة المنطق.

إن البرلمانات لم تُنشأ لتكون فضاءات للتصفيق أو لإقصاء الأصوات المخالفة، وإنما لتكون منابر للنقاش الحر، ولإثراء القرار العمومي من خلال تعدد الآراء. لذلك فإن احترام المعارضة ليس منّة من الأغلبية، بل هو واجب دستوري وأخلاقي وسياسي.

ولا شك أن السنغال تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة تستوجب انشغال جميع الفاعلين السياسيين بإيجاد الحلول، بدل تحويل المؤسسات إلى ساحات للصراع الشخصي أو السياسي. فالمواطن السنغالي ينتظر تحسين مستوى معيشته، وتعزيز فرص الشغل، وترسيخ دولة القانون، وليس مشاهدة مؤسساته وهي تدخل في دوامة التوتر.

لقد علمتنا التجارب أن الزعماء يأتون ويذهبون، أما الدول فلا تستقيم إلا بمؤسسات قوية، مستقلة، ومحترمة. وكل سياسي يعتقد أن شعبيته تمنحه سلطة تتجاوز القانون، إنما يضع نفسه في مواجهة المبادئ التي أوصلته إلى العمل العام.

إن الديمقراطية لا تُختبر عندما يتحدث المؤيدون، بل عندما يُسمح للمعارضين بالتعبير بحرية كاملة. وهناك فقط يمكن الحديث عن دولة المؤسسات، لا عن دولة الأشخاص.

والسنغال، التي طالما قُدمت نموذجًا للاستقرار السياسي في إفريقيا، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على هذا الرصيد، لأن قوة الدول لا تقاس بشعبية قادتها، وإنما بقدرتها على حماية القانون وضمان الحقوق وصيانة كرامة جميع ممثلي الشعب، أغلبية كانوا أم معارضة.

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد